رئيس التحرير

محمود مسلم

«نور» أول فريق تمثيل للمكفوفين: بالفن نتحدى العتمة.. وننافس الأصحاء فى المهرجانات

10:02 ص | الأربعاء 06 يونيو 2018
«نور» أول فريق تمثيل للمكفوفين: بالفن نتحدى العتمة.. وننافس الأصحاء فى المهرجانات

«نور» أول فريق تمثيل للمكفوفين: بالفن نتحدى العتمة.. وننافس الأصحاء فى المهرجانات

بوهن بدأ يتحسس خطاه على المسرح، تحرك وفق المساحة المتاحة له من قبَل المخرج، فقَد الطريق إلى بؤرة البطل، ولكن إحساسه الدقيق بحرارة الضوء سرعان ما مكّنه من الوقوف فى الوضعية الصحيحة، وحين ظهر بكامل إطلالته كانت الصدمة لكل الجالسين على مقاعدهم، صدمة أصابت بعضهم بالصمت المطبق، وبعضهم أخذ يهمهم: «أعمى».

سرعان ما تسللت تلك الصدمة لقلبه، أخذ يخفق منذ وطئت قدماه خشبة المسرح، تلك الصدمة أراحته، أعطته مزيداً من الثقة، لكن كانت الصدمة الأكبر لكل الجالسين حين اكتمل وجود فريق العمل بالكامل على خشبة المسرح، ليس البطل وحده، الفريق بكامله يملك الموهبة ولا يملك البصر، فريق من المكفوفين يطل على الحاضرين بأداء واثق، بثقة مفرطة، وينتهى العرض بتصفيق لا ينتهى.

«سيدهم»: المجتمع يضعنا فى مساحة ضيقة.. والمسرح استطاع أن يصل بأحلامنا إلى الناس

«نور» اسم لأول فريق تمثيل معتمَد من محافظة أسيوط للمكفوفين، تشكّل فى البداية من طلبة مدرسة النور والأمل للمكفوفين بالمحافظة، وتطور بعد تخرجهم فيها ليصبح فريقاً رسمياً يمثل المحافظة فى مهرجانات الصعيد والجنوب للتمثيل، باعتماد من هيئة قصور الثقافة بأسيوط.

قبل تسع سنوات، كان الطفل الكفيف «جرجس سيدهم» قد سمع عن تشكيل فريق جديد للتمثيل فى مدرسته النور والأمل للمكفوفين، فتوجه لحجرة النشاط الفنى ووجد طابوراً طويلاً من الطلاب يقف أمام الباب، الكل يسعى ليسجل اسمه فى الفريق الجديد: «كنت جاى متأخر»، ورغم ذلك لم ييأس من إثبات نفسه، الصبى كان يجد فى المسرح مساحة للتعبير عن حقوقهم المهدرة كمكفوفين وسط المجتمع الذى يتعامل معهم بتمييز وفئوية شديدة تبدأ بتخصيص مدرسة لهم وحدهم، لا يُعامَلون كغيرهم من الأصحاء، حسب قوله.

فى أول عرض مسرحى للفريق المدرسى، ظهر «سيدهم»، وكان براقاً ومتحدثاً لبقاً، ما دفع المخرج محمود عيد، مسئول النشاط المسرحى بالمدرسة، إلى تكليفه بثلاثة أدوار دفعة واحدة فى المسرحية، وبالفعل استطاع تأدية جميع الأدوار ببراعة، ورويداً رويداً بدأ يحجز مكاناً أساسياً وسط أقرانه، وسرعان ما تحول الفريق من مجرد فريق مدرسى يؤدى عروضاً مسرحية خارج النصوص التى تضعها الوزارة وفق المنهج التعليمى إلى فريق مسرحى يشارك فى المهرجانات الرسمية ويحصد الجوائز بين الأصحاء.

«لبنى» بدأت التمثيل بثلاث جمل فقط فأعطاها المخرج دور البطولة فى ثانى أعمالها

«سيدهم»، الذى تحمّل مسئولية كبيرة فى تشكيل ذلك الفريق حتى تكلف بمهمة بطولة العروض ومساعد المخرج، يقول إنه فى مصر دائماً ما يضع الناس المكفوفين وذوى الإعاقة فى مساحة ضيقة جداً، وهو ما يؤلم «سيدهم»، فيجد من خلال نجاح فرقته ومزاحمتها لفرق الأصحاء، بل والحصول على المراكز الأولى فى المهرجانات، أنه حان الوقت ليكون للمكفوف مكان وسط الأصحاء ويعامَل مثلهم ولا يكون مميزاً عنهم، يقول: «المسرح فعلاً استطاع أن يصل بأحلامنا إلى الناس».

كان أكثر من أزعج «سيدهم» وشركاءه فى الفرقة هو ممثل مشارك فى أحد المهرجانات قال لهم: «انتم مش المفروض تنافسونا، انتم المفروض يكون لكم مهرجان لوحدكم كمكفوفين». يحكى سيدهم قصة تشكيل الفريق، ويقول إنه بعد تخرج الطلاب فى مدرسة النور والأمل لم ينتهِ حلمهم فى تشكيل فريق مسرحى، ذهبوا بالحلم لمسافة أرحب وهى الجامعة، توجه جرجس وزملاؤه نحو رئيس الجامعة، بعد جلسة حامية استطاعوا إقناعه بتبنّى الجامعة للفريق وتحويله من فريق مدرسى لفريق جامعى. وبدأ يؤدى عروضاً مسرحية فى الجامعة، ومن الجامعة إلى خارجها. كانت دائماً النظرة العامة للمكفوفين «عايزين يعرفوا هيتحركوا ازاى وهيعملوا إيه»، وكان عنصر المفاجأة هو المحفز لهم، يستغلون ذلك الشغف لدى الأصحاء لإبهارهم، وإظهار قدرتهم الفائقة على المسرح، يقول المخرج محمود عيد: «كُلّفت من قبَل المدرسة بإدارة نشاط المسرح، وكان الأمر فى البداية مجرد مسابقة للعروض الخاصة بالمناهج الدراسية دون وجود أى فريق مسرحى كامل يقوم بأدوار ومسرحيات درامية كبرى، ولكن مع الشغف الذى استقبل به الطلاب الأمر، وتزاحمهم على الاشتراك فى فريق المسرح بالمدرسة، تولّدت لدىّ رغبة فى تشكيل فريق مسرحى يمثل المدرسة ويؤدى عروضاً كبرى لأهم المسرحيات، مثلهم مثل الأصحاء، هذا الحلم فجّره داخلى إبداع الطلاب ورغبتهم فى التعبير عن أنفسهم، حتى وصل بهم لتأدية مسرحيات مثل (كفر التنهدات) و(صلح العشق والظروف) و(حفل أبوعجور) و(حكاية بلدنا) و(حلم يوسف) و(الغجرى) والعرض المقبل بعد اعتماد قصور الثقافة للفرقة».

بدأ «عيد» بخمسين طالباً، نصف المدرسة كانوا يرغبون فى العمل بالمسرح، يقول: «بدأت فى التجريب حتى وصلت للعدد الموجود حالياً، وهو لا يساوى أقل من نصف المتقدمين»، ويجد فى ذلك مساحة كبرى لتفريغ الشباب المكفوف لطاقتهم للتعبير عن الغضب المكبوت داخلهم تجاه تمييز ونظرة المجتمع لهم. بدأ التفكير فى تشكيل فريق خارج المدرسة، كانت الفكرة عندما وجد الطلاب غير مقتنعين بتلك المسافة التى وصلوا لها، ولديهم رغبة فى استكمال الحلم بعد الوصول للجامعة، «عيد» قابله فى نفس الوقت الإعلان عن إقامة مهرجان مسرح الجنوب لأول مرة فى الأقصر، طرح الفكرة على الطلاب وتحمسوا لها، خاصة بعد تقديم أول عرض مسرحى له فى الجامعة.

ظهر الفريق على مسرح المهرجان، فوجئ الجميع بالفريق، واحتفى الجميع به، وشاركوا فى المهرجان الثانى فى أسوان بمسرحية «خالتى صفية والدير»، وبمجرد المشاركة لحصد الجوائز الأولى، فالحصول على المركز الأول فى المهرجان للسنة الثالثة فى أسوان عن مسرحية «الغجرى»، كما شارك فى مهرجان الحلم المصرى التابع للشباب والرياضة، وحصدوا المركز الأول.

لبنى نور الدين، 24 عاماً، كانت طفلة كفيفة تعيش فى مدينة البدارى، حينما قررت فى عام 2007 أن تنضم لأسرة التمثيل بالمدرسة، وبدأت فى أول دور بثلاث جمل فقط، لكن مع الدور الثانى شعر المخرج بموهبتها فأعطاها دور البطولة فى مسرحيتين متتاليتين، واستطاعت بعد سبع سنوات الحصول على جائزة التميز فى مهرجان أسوان للمسرح عن دورها كأم للبطل فى مسرحية الغجرى، وتحلم لبنى أن تُعرض مسرحيتهم المقبلة «العميان» فى دار الأوبرا.

حسن أحمد، بدأ يمثل منذ عام 2007، كان عمره حينها لم يتعدَّ الثمانى سنوات، تلميذ فى الصف الثانى الابتدائى، شارك فى عدد من المسرحيات، وحصل على العديد من المراكز الأولى فى مسابقات المدارس، وأول الجمهورية، ولكن عام 2016 شكّل معهم فرقة «نور»، بعد أول عرض خارج المدرسة فى مهرجان مسرح الجنوب، عن مسرحية «حلم يوسف»، وفى المرة الثالثة للمشاركة فى مهرجان مسرح الجنوب بمسرحية «الغجرى»، حصلوا على المركز الأول. يقول إن «من أساءوا لنا وكانوا غير مقتنعين بتمثيل المكفوفين بعد مشاهدتهم للعروض ندموا واعتذروا عن ذلك، كانت الصدمة من الانسيابية فى العمل وعدم وجود أخطاء».

 

جرجس

هدير

عرض التعليقات