كل شىء فى المكان يشبه بعضه، العشش المتراصة إلى جوار بعضها تتشابه فى قِدمها وتهالكها.. وسكانها يشبهون بعضهم فى الهيئة والملبس وحتى الملامح، فى منطقة «رملة بولاق» التى تقع على كورنيش النيل استسلمت «أم إنصاف» لحالها فلا مفر من الاستسلام حتى تسير الحياة، تأكل عندما تجد قوتها، وتربط بطنها عندما يضيق الحال.
فى ذلك الشارع الضيق الذى يكاد جانباه يتلامسان من شدة الضيق، تجد «أم إنصاف» وجاراتها من النسوة العجائز رحباً متسعاً يجلسن فيه ويتبادلن أحاديث السمر، فالعشش التى ضاقت جدرانها بمن فيها لا تسمح بتلك الجلسات النسوية الجماعية، تحكى «أم إنصاف» لجاراتها عن ابنتها المعاقة التى توفيت إثر مرضها، هن يعرفنها جيداً وشاركن فى تربيتها لكنها اعتادت أن تذكرها فى كل مجلس.
الأرض غير الممهدة و«عفار التراب» الذى يغطى وجوه النسوة بسبب لعب الأطفال إلى جوارهن، لا يضايقهن، فقد اعتدن هذه الحياة الخالية من أى ترفيه لكبير أو صغير: «بيتى مابتدخلوش الشمس، ولا حتى الهوا، والمساحة اللى قدام البيبان هى النادى بتاعنا اللى بنشم فيه نفسنا».
جلسات السمر تمتد إلى هموم النساء الأخريات لكن تبقى «أم إنصاف» هى صاحبة الحكايات الأكثر مأساوية، فحزنها على وفاة ابنتها المعاقة لا يقل حزناً عن الابنة الأخرى المعاقة التى بلغت ريعان الشباب ومع ذلك لا تزال تطبق بين شفتيها على «سكاتة» وكأنها فى طور الطفولة.
الدموع الغزيرة هى ملجأ السيدة الستينية، للخلاص من الضغوط النفسية التى تحول بينها وبين النوم بل وبين الراحة، بعينين غارقتين فى الدموع أشارت «أم إنصاف» إلى ورقة معلقة على جدار غرفتها، وهى حكم حصل عليه سكان «رملة بولاق» يقضى بوقف الاستيلاء على أرضهم من قبل رجال أعمال: «فى النهاية خدنا ورقة.. ياريتها كانت فلوس كنت صرفتها على علاج بنتى».
حمام صغير بابه لا يغلق بإحكام، هو المكان الذى تقضى فيه السيدة حاجتها، ليس هى وأسرتها فقط بل 5 أسر يشاركنها، وفى كل مرة تقترب نحو الحمام وتلمح العدد الكبير الذى يقف منتظراً قضاء حاجته، تتشاجر ويعلو صوتها حتى تتمكن من الدخول.