محطة مترو «السادات».. من ملتقى الثوار إلى «رصيف أشباح»

كتب: أحمد الليثى

محطة مترو «السادات».. من ملتقى الثوار إلى «رصيف أشباح»

محطة مترو «السادات».. من ملتقى الثوار إلى «رصيف أشباح»

أصوات ضجيج تتعالى فى الأفق، زحام شديد، باعة جائلون على طول النظر، متظاهرون تبادلوا التناوب مجيئا وذهابا على الرقعة ذاتها طيلة عامين ونصف، تارة يهتفون لمصر ومرة يرددون أمنيات النصر من أجل جماعة، وفئة ثالثة تطالب بحقوق مهضومة، جدران تسجل سقوط أنظمة واعتلاء أخرى، صوت "سرينة" القطار يدوى، بشر لا حصر لهم على طول الرصيف، فوق الأرض ثورة وتحتها ثوار.. هكذا كان الحال داخل محطة مترو "أنور السادات" أو "التحرير" –حسب النسخة الشعبية- غير أن مظاهرات خرجت فى الميادين قبل أكثر من ثلاثة أشهر، خلعت رئيس ثان، فتبعها اضطرابات عدة، أوقفت المحطة ليضحى السكون مخيما على الأجواء، والسكينة تتلبس المكان الذى كان ملء السمع والبصر، صوت الصمت يهيمن، لذا كانت "الوطن" هناك ترصد الوضع عن قرب وتسجله عدساتها، لتشهد على تحول المكان الذى ظل دوما يعج بالمواطنين، فبات أشبه بمدن الأشباح.[FirstQuote] أنوار مُضاءة بنصف طاقتها، وكراسى يقبع أعلاها الفراغ، ماكينات عبور الركاب تتلألأ بلونها الفضى، وساعة المحطة تعمل دون كلل، الجدران صارت بيضاء تسر الناظرين، ولافتة "أنور السادات" عادت لا تحمل سوى اسمه فقط.. عقب ثورة يناير كان بياض لافتات المحطة مثيرا للمتظاهرين كى يدونوا عليها شعاراتهم فأحدهم يكتب "السادات ربنا يرحمه" ليعقبه آخر "عقبال مبارك"، والبعض يندد بسقوط الدماء، وشاب يهدد بثورة جديدة حال ضياع حق رفاق المدرج فى بورسعيد، وملصقات تحتل مساحة لا بأس بها عن الغلاء المستمر بسبب عدم ارتداء الحجاب، كل دقيقتين يمر قطار على أحد الرصيفين غير مبال بالـ "لا شئ"، فرصيف "الثورة" الأهم من حيث التقاء الركاب؛ لتبديل الخطوط ترك مهمته لقرينه "الشهداء" كى يحمل أعباء تنوأ من حملها الجبال.. "المحطة شغالة بكامل طاقتها من العمالة" قالها حمادة حسن ناظر المحطة، مشيرا إلى أن إدارة المترو استغلت التوقف لعمل صيانة للمكان من خلال مسح العبارات على الجدران وتجهيز المحطة للعمل فى أى لحظة، موضحا أن بعض العمالة يتم الاستعانة بها فى حالات الطوارئ ببعض المحطات الأخرى.. وسيلة العمال للوصول لمحطة "التحرير" هى النفق فقط من محطات "سعد زغلول وجمال عبد الناصر" فى الخط الأول "المرج- حلوان"، أو "الأوبرا ومحمد نجيب" فى الخط الثانى "شبرا- الجيزة"، فمنذ غلق المحطة فى 30 يونيو الماضي ومخارج وبوابات المحطة المطلة علي الميدان مغلقة ومحصنة لأسباب أمنية. على مهل يسير "محمود السيد" قابضا على ذراع شخص لا يعرفه، قرر أن يصحبه فى ذلك الزحام الرهيب على رصيف محطة "الشهداء" –رمسيس فى قاموس المصريين- الشاب العشرينى فقد ضياء بصره منذ ولادته، لكن وجهه تعلوه ابتسامة براقة، يحب الاعتماد على نفسه إلا فى أضيق الحدود، وليس هناك ما هو أضيق من مكان يتراص فيه الناس كأسراب النمل فى انتظار ضوء القطار الصادر من النفق المظلم، يسأل فى وجل مرافقه عن سبب تأخر القطار المتجه صوب المرج، فيجيبه بإيمائه دون رد بالكلام فيعرف محمود أن طول الانتظار مصيره، فالشاب الذى يقطن بالقرب من مستشفى الدمرداش قد استقل مترو قادم من الدقى –حيث مقر عمله- استقر به فى المحطة قبل أن يبدأ رحلة تحويل الخط، دقائق ويحضر القطار لكن خليط البشر المستعد لخوض معركة الظفر بالركوب جعل رفيق "محمود" يتراجع للخلف بدلا من الدخول فى الصراع "بص يا حودة شكلنا هنخرج نركب حاجة من برة أحسن"، يحاول الشاب الكفيف ألا تسيطر على ملامحه إمارات الحزن قبل أن يقول بصوت متأفف "شكل المرتب هيخلص على التاكسى"، كان للشاب الذى يعمل بإحدى شركات الكمبيوتر نصيبا فى تحويل الخط "من الجيزة إلى المرج" فى محاولتين فإن فاتته "السادات" لحق بـ"الشهداء"، غير أن الأمر صار قضاء محتوما "لو خرجت م الشغل فى ساعة ذروة بختار بين العجين وسط الناس أو تكلفة التاكسى"، علاوة على رحلة جديدة فى ردهات المحطة. الزحام الذى خلفه إغلاق محطة "أنور السادات" جعل الضغط ثلاثة اضعاف فى محطة "الشهداء"، حسب "عوض الله فتحى" رئيس محطة الشهداء بالخط الأول، الذى يؤكد أن عمال المكان ورجال الأمن يقومون بواجبهم على أكمل وجه رغم الضغط الشديد "بتكون فى مجزرة على السلالم وقت التحويل بين الخطين" يقولها وهو يشير إلى ذلك المخرج الذى وجدوه قبل أيام بعمل أماكن للنزول وأخرى للصعود حتى لا يكون الاصطدام سبيلا للمواطنين، ويتمنى "عوض" أن يتم فتح محطة "السادات" بشكل تبادلى دون فتح أبوابها من ميدان التحرير "بس الاحتياطات الأمنية بتأجل الموضوع".. إشاعة تم انتشارها على شبكة الانترنت بوجود "قنبلة" داخل المحطة أحدثت نوعا من التواجد الأمنى المكثف، فزاد عدد المواطنين مثيلهم من رجال الداخلية وانتشارهم بالكلاب البوليسية، لكن بدا الأمر "مزحة" يرد عليها المهندس "عبدالله فوزى" رئيس مجلس إدارة شركة مترو الأنفاق بقوله "اللى بيقول إن فى قنبلة ينزل يجيبها" يداعب بها الركاب ليهدأ من روعهم أثناء تفقده المكان. "التحرش وسرقة الموبايلات وركوب الرجال بعربة السيدات" كانت أسبابا كافية فى تفكير "محمد سمير" بعمل "بوسترات" توعية للمواطنين بالمحطات المزدحمة "أنا بركب المترو من عين شمس لحلوان وبشوف العجب"، يعتبر صاحب الـ32 عاما أن السلوكيات "الصبيانية" هى أكثر ما يجعل المترو وسيلة مجهدة للركاب رغم سرعتها. وهو ما يصفه العقيد مصطفى فاروق، مدير إدارة أمن الخطوط بالسلوك السلبى الذى يجب تغييره، موضحا المجهود المبذول أمنيا بسبب الاضطرابات الحاصلة فى البلاد، مؤكدا حسن المعاملة مع الركاب على عكس ما يجدوه من استغلال فى وسائل المواصلات الأخرى، فى الوقت الذى يقول فيه "أسامة السيد" مدير العلاقات العامة بالمترو إن هناك انفلات فى السلوك الجمعى بعد الثورة، وهو ما يشتت العاملون بين تنظيم عملية النقل وبين الحد من حالات الفوضى.[SecondQuote] داخل إحدى عربات المترو القادم من محطة "فيصل" راح رجل ستينى يتحسس جيب جلابيته الريفية ليستخرج ورقة صغيرة، يراوح النظر بينها وبين الخريطة المُبينة لتتابع المحطات أعلى الباب، وما أن خرج القطار من محطة الأوبرا حتى بدأ فى تجهيز نفسه استعداد للنزول فى "التحرير" لكن القطار لم يقف، ليتساءل الرجل بصوت عال "هو موقفش ليه؟.. ده أنا عايز أروح السيدة زينب"، ليرد شاب صغير "أبقى أنزل معايا رمسيس يا حج وأنا هوصفلك"، حال الرجل الريفى لا يختلف كثيرا عن غيره من أبناء القاهرة؛ فيوميا ينظر "كريم على" الطالب بكلية التجارة صوب المحطة المغلقة أثناء توجهه قبل جامعة القاهرة عسى أن يُعاد تشغيلها، لكن يبقى الأمر كما هو عليه "أصل قفلها محسسنا إن الدنيا خطر.. عايزين نطمن".. "نحو 3.5 مليون مواطن يستقل المترو شهريا" يبدأ بها "محمد حسن" مدير عام إيرادات الركاب كلامه، قبل أن يوضح أن هناك حوالى 100 ألف راكب يوميا تم ترحيلهم من محطة السادات على محطات مجاورة كـ"محمد نجيب وجمال عبدالناصر والشهداء". كلما مر "أحمد الشيمى" -سائق القطار على الخط الثانى- بمحطة "السادات" ليجدها خاوية على عروشها، تعلو محياه ابتسامة؛ انتظارا لزحام قادم فى "رمسيس": "الناس بتقف ع الباب وعيال بيحاولوا يدخلوا الكبينة.. ده غير البياعين اللى بيفتحوا الأبواب"، لذا لا تستغرب حين تسمع نداءات من أحد السائقين إذا تأخر توقف القطار على الرصيف لمدة طويلة "بيكون فى حد فاتح الباب أو شخص بيهزر"، سرعة التقاطر المتعارف عليها هى قطار كل 3 دقائق، حسب "أشرف طاحون" مدير النقل بالمترو، مشيرا إلى أن طول فترة التقاطر –أحيانا- يرجع إلى الزحام الشديد الذى يعطل القطارات لمدة أطول على الرصيف، مضيفا أن الإدارة تُخرج قطارات "فوارغ" من الورش فى اتجاه محطة "الشهداء" للتخفيف من الضغط عليها، ويطالب "طاحون" المواطنين بالتعاون مع العاملين خصوصا الصبية الذين يتخذون من فواصل السيارات مستقرا بدل من داخل القطار وهو ما قد يعرض حياتهم للخطر، يستغرب الرجل الأربعينى من دعوات تعطيل المترو بالاعتصام بقوله "حافظ على المترو عشان لما تتظاهر تلاقى وسيلة تروحك". حالات إغماء وضيق تنفس تصيب العديد من الركاب بالضجر، طفل يبكى على ذراع أمه، وشاب يمسك على ماسورة حديدة تحفظ توازنه وشابة تلوم صديقتها على الركوب فى عربة غير المخصصة للسيدات "المترو بقى مواصلة مهينة للكرامة" تقولها شابة عشرينية بعصبية جراء اشتباكها مع أحد الشباب، بينما يبحث عجوز عن مقعد يصل إليه وسط غابة الأرجل، فيما تستمر نداءات سائق القطار "يا حبيبى يا اللى ماسك الباب.. لو فى بيتكم مش هتعمل كدة".. بانحناءة خفيفة يسير "عمرو محمد" على رصيف محطة "البحوث" مستندا على ذراع والدته خمسينية العمر فى اتجاههما لمقر عملهما بشارع القصر العينى، فالابن البكرى تم تعينه فى هيئة السلع التموينية ضمن نسبة 5% المقررة للمعاقين، يحمل الشاب العشرينى هم النزول فى محطة "رمسيس" بسبب التدافع الشديد الذى يعرقل قدمه "الزحمة بتتعب نفسيتى عشان والدتى بتعمل مجهود كبير معايا"، صرخة مدوية أطلقها "عمرو" أثناء ركوبه المترو قبل أيام حين ضغط الزحام على قدميه "أنا بدخل المترو وأخرج منه بالدفع الذاتى وحب الجمهور" يقولها ساخرا تعقيبا على طريقة ركوبه وقتما يكون وحيدا دون والدته، فيما كان قرار الشاب ذو الحس الكوميدى أن يستقل سيارة أجرة "تاكسى" من محطة "محمد نجيب" حتى مقر الهيئة تقصيرا للمسافات وحمل هم الزحام، حتى إشعار آخر يسنح بعودة محطة "السادات" للحي ">