حلم الثراء يدفع شباب القليوبية للحصول على تذكرة «بلا عودة»
حلم امتلاك الأبراج السكنية، والمبانى الفاخرة، والعيش فى سعة، أشعل نار الهجرة غير الشرعية فى القليوبية، والرغبة لدى الحالمين من أهالى قرى كفر الجمال، وبطا، والزمورنية، رغم المخاطر العظيمة التى تحدق بتلك المغامرة، وتحولت عمليات السفر فى تلك القرى إلى تجارة رائجة، حتى تفشى بين شبابها جنون الهجرة، بحثاً عن الثراء الفاحش، وأصبح حل كل منهم هو الوصول لطريقة ما تمكنه من الهروب للخارج، مهما كلفهم ذلك من أموال، وإن اضطر بعضهم إلى بيع أرضه الزراعية رغم أن «الأرض عرض».[FirstQuote]
يقول أحمد مهدى، مواطن من كفر الجمال، لـ«الوطن»: «حاولت السفر إلى إيطاليا عن طريق ليبيا 3 مرات، وفشلت وهى محاولات خطيرة كانت كلها محفوفة بالمجازفة، وأرواحنا مهددة، فالمركب يأخذنا من ليبيا إلى عرض البحر وقرب المياه الإقليمية يتركنا نسبح مسافة ١٥ كيلومتراً على الأقل، إلى أن نصل الشط، وبعضنا لا يستطيع السباحة والبعض الآخر يصل لكنه يقع بعد ذلك فى قبضة السلطات، وقبل أن يركب الواحد منا المركب فإن المتعهد يأخذ جوازات السفر الخاصة بنا، وكل أوراق إثبات الشخصية».
يقاطعه حسن إبراهيم، قائلاً: «إنه قرر السفر إلى إيطاليا لتوافر فرص العمل فيها، خصوصاً أن من سافروا إليها من القرية عادوا بسيارات وتليفونات محمولة ومال وفير، ما دفعه لاقتراض ١٠ آلاف جنيه، لكى يدفعهم لأحد المتعهدين، لكنه وجد أن المعاملة فى ليبيا غير آدمية، حيث يضعون الشباب فى حجرة داخل المركب وكأنهم ماشية، وقبل منطقة الصليب الأحمر بمسافة كبيرة يطلب الربان منهم النزول إلى البحر للسباحة، بعد أن يوزعوا عليهم أطواق نجاة، ليبدأوا فى السباحة» لافتاً إلى أنه وقع فى أيدى القوات وتم ترحيله.
ويشير عبدالمنعم سالم محمود، إلى أن أحد المتعهدين طلب منه ٣٠ ألف جنيه مقابل تهريبه إلى إيطاليا، ما اضطره إلى بيع كل ما يملك، وعندما وصل إلى ليبيا فوجئ بأن السفر من خلال مركب «خردة»، حمولته لا تتجاوز ٢٠٠ شخص، بينما يحمل صاحبه عليه ٤٠٠، ومع ذلك جازف وركب معهم، ليشق المركب الموج نحو إيطاليا، وعندما وصلوا إلى مكان معين، طلب منهم القائمون عليه النزول والسباحة حتى يصلوا إلى الشاطئ الآخر، إلا أنه وقع فى أيدى قوات الصليب الأحمر.
ويحكى سمير عبدالرحمن أن إيطاليا فيها شارع يسمى «كفر الجمال»، لكثرة عدد الشباب والمسافرين منها هناك منذ زمن بعيد، وأن شقيقه يعيش هناك منذ ٣٠ عاماً، ومتزوج وله أولاد فى مدارس إيطالية، وإنه ساعد أكثر من ٢٠ شاباً من أهالى القرية على السفر إلى هناك بطرق مشروعة، لافتاً إلى أن قرية كفر الجمال من أكبر القرى فى محافظة القليوبية من حيث عدد الشباب المسافر إلى إيطاليا.
ويشير محمد سعد عبدالسميع، حاصل على ليسانس آداب، إلى أنه يمر وأسرته بظروف اجتماعية سيئة، خصوصاً أن والديه تكبدا مبالغ مالية كبيرة فى الإنفاق عليه هو وأشقائه، لاستكمال تعليمهم، ما دفعه إلى التفكير فى السفر بأى طريقة ومهما كلفه الأمر من مشاق وعقبات، حتى يعوض والديه وأسرته عن سنوات الشقاء. أما حبيب عبدالبارى محمد، فيقول: «ضاقت الدنيا فى وجهى وفقدت الأمل فى فرصة عمل مناسبة داخل مصر، تمكننى من أن أساعد أسرتى بسيطة الحال على الحياة، وتعيننى على توفير نفقاتى الشخصية وبناء نفسى من أجل الزواج، كما يفترض من كل شاب فى العالم، الأمر الذى دفعنى للإقبال على فكرة الهجرة».
ويقول وليد فاروق عبدالعظيم إن والده فلاح بسيط ووالدته ربة منزل، وله شقيقتان مطلوب تجهيزهما للزواج، ويضيف: «من أين نأتى بتلك النفقات والمبالغ التى تحتاجها الفتاة الواحدة، لذا لم يكن أمامى إلا التفكير فى الرحيل».
ويوضح ياسر إسماعيل حمدى، نجار موبيليا، أنه اتجه إلى فكرة السفر لإيطاليا عن طريق ليبيا وهو يعلم مدى الخطورة التى قد يتعرض لها، لأنه لم يجد طريقاً آخر يسلكه فى مصر يمكنه من تحقيق أحلامه، وتكوين نفسه ليتزوج الفتاة التى يحبها ويساعد أسرته الفقيرة.
من جانبه، قال الحاج إبراهيم على، عمدة قرية كفر الجمال، إن أعداد الشباب الذين هاجروا إلى إيطاليا من قريته تزيد على الألف شاب، مضيفاً: «هناك شائعة تقول إن أول مهاجر غير شرعى من الكفر لإيطاليا سافر مجاناً أثناء مباريات مصر فى إيطاليا بكأس العالم لتشجيع منتخبنا، إلا أنه لم يعد مع المشجعين وقرر العمل هناك».
عمدة القرية أكد أن معظم مشروعات التنمية فى الكفر تقام بالجهود الذاتية، وتعتمد على تبرعات الأهالى وشباب رابطة إيطاليا، مشيراً إلى أنهم تمكنوا بتلك المعونات من بناء معهدين دينيين للطلبة فى المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وإنشاء مسجد على مساحة ٦٠٠ متر، فضلا عن تجديد المسجد القديم.
فى قرية «سندبيس»، التى شهدت قبل 4 سنوات إنقاذ 16 من شبابها عقب غرق مركب شراعى خلال رحلته إلى إيطاليا، تتميز المنازل هناك بطرازها المعمارى الحضارى، فيما يروى الشباب حكايات كثيرة حول السفر إلى بلاد العجائب «إيطاليا»، كما يسمونها فى القرية.
تقول أم أشرف، والدة أحد الشباب: «ابنى لجأ إلى السفر بسبب ضيق ذات اليد فى مصر، ومفيش شغل ولا عمل مناسب، رغم أنه حاصل على دبلوم تجارة، وقمنا بتدبير مبلغ 60 ألف جنيه، واتفقنا مع أحد السماسرة لتسفيره إلى إيطاليا بحثاً عن لقمة عيش حلال».
ويقول سامى الصيفى، تاجر، أحد أبناء القرية، إن الرحلات إلى إيطاليا أصبحت شيئاً طبيعياً، حيث يقبل عليها أغلب الشباب وكل يوم يسمعون أن فلانا سافر وأن آخر عاد للقرية، حتى أصبح هذا الموضوع أمراً معتاداً، مشيراً إلى أن المبلغ الذى يحصل عليه السمسار من كل شاب يصل إلى 60 ألف جنيه، يدفع منها 20 ألفا قبل السفر.[SecondQuote]
لا يختلف الأمر كثيراً فى قرية بطا، بمركز بنها، والمشهورة بكفر أمريكا، فى شىء سوى أن أبناءها اختاروا التوجه إلى الولايات المتحدة بجميع الطرق، مشروعة كانت أو غير مشروعة، وظل حلم امتلاك برج فى القرية هو المسيطر على الشباب، والدافع الرئيسى للهجرة. يقول حسنى محمود، مدير عام بالحكومة، إن السفر إلى أمريكا فى القرية تسبب فى مشكلة اجتماعية، هى ارتفاع تكاليف الزواج للفتيات، حتى أصبحت المغالاة فى المهور ظاهرة بين أسر القرية.
من جانبها، قالت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، إنه على الرغم من توالى حوادث غرق الشباب المصرى العاطل، خلال هروبهم بحراً لدول أوروبية على متن مراكب متهالكة، وبطرق غير شرعية، فإن دراسة ميدانية بين بعض منهم كشفت إصرارهم على خوض المغامرة، والسفر لأوروبا ولو بطريقة غير شرعية، رغبة فى تحقيق أحلامهم بالثراء.