«وفاء» صانعة «أقفاص الخضار»: لا ميّه ولا كهربا ولا سرير.. رضينا بـ«العشة» و«العشة» مش راضية بينا
الشتاء يدق الأبواب، والصغار ينفخون فى أيديهم هواء ساخنا ليتمكنوا من كتابة دروسهم، تيار الهواء الشديد -أحيانا- يقلب صفحات الكتاب، فيعيق أصغر الأولاد عن الكتابة، أما أعمدة الإنارة فلم يكن «ضوؤها» كافيا ليواصل الإخوة الآخرون «مذاكرتهم». هؤلاء هم أطفال سيدة بسيطة تدعى «وفاء»، تجلس يومياً إلى جوار أولادها، أمام العشة التى يسكنونها، لا لتذاكر لهم دروسهم ولكن لتقوم بمهمة أخرى لا تقل أهمية عمّا يفعلونه، وهى صناعة «أقفاص» من جريد النخيل لبيعها والإنفاق على أولادها.
«وفاء»، التى تسكن فى حضن ترعة بمركز العسيرات بسوهاج، كانت تسكن قبل ذلك فى «عشة» إلى جوار محطة السكة الحديد، لكن الدولة طردتها منها بحجة أنها على أرض ملك الدولة، وجدت السيدة نفسها فى الشارع هى وخمسة أطفال صغار وزوج مريض حتى تمكنت من إيجاد «عشة» أخرى استأجرتها مقابل 100 جنيه شهريا، المشكلة أنها للمرة الثانية مهددة بالطرد منها لأنها لم تدفع الإيجار منذ 3 شهور.
3 بنات وولدان، هم أولاد «وفاء»، أربعة منهم فى مراحل التعليم المختلفة وطفل صغير عمره 3 سنوات، يعيش كل هؤلاء فى «العشة» بلا كهرباء ولا ماء، لكنهم لا يحملون هماً؛ فقد استعاضوا عن المياه بالترعة وعن الكهرباء بأعمدة الإنارة فى الشارع. تقول «وفاء»: «مكسبى فى اليوم من صناعة أقفاص الخضار التى يستخدمها المزارعون 5 جنيه، يعنى 150 فى الشهر بدفع منها 100 للإيجار والباقى ما بيكفيش عيش حاف».
لا تخجل «وفاء» من أن تقول إنها وأطفالها لا يأكلون اللحم إلا فى الأعياد، لكن أطفالها يخجلون ويرفضون أن يصورهم أحد حتى لا يعرف زملاؤهم فى المدرسة أنهم يسكنون فى عشة وأن والدتهم تعمل فى جريد النخيل، ربما يكون ذلك خاطئا لكنهم يكنون كل احترام لأمهم التى تسهر طوال الليل على صناعة الأقفاص حتى تشققت يداها من خشونة الجريد وبرد الشتاء. ربما يكون حلم «وفاء» غريبا، لكنه بالتأكيد ليس مستحيلا؛ فهى لا تحلم بشقة تؤويها ولا عمل أكثر ملاءمة لطبيعتها الأنثوية، لكنها تحلم بـ«حنفية» لتجد مياه شرب نظيفة».