في محيط أكاديمية الشرطة.. "الأصابع الأربعة" بين الصلوات والدعاء لأجل "المعزول"
منطقة غير مكتملة العمران، فارقها الهدوء الذي كان سمتها السائد، منذ عامين، حين اختيرت أكاديمية الشرطة لمحاكمة "المخلوع" ومن بعده "المعزول"، وما بين المشهد الآن وما سبقه لم تتغير الصورة إلا قليلا.. عدد من المصريين يحملون صورا لرئيس تعلقت قلوبهم به، معزولا كان أم مخلوعا فالجميع في انتظار ما تسفر عنه أحداث المحاكمة بالداخل وسط هتافات ودعاء وصلوات واشتباكات أحيانا أخرى.
لم يكن مشهد اليوم، أمام أكاديمية الشرطة، خلال محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي، غريبا على أهل المنطقة المحيطة، فتعودوا منذ محاكمة "مبارك" بعد ثورة 25 يناير، على التفاف المناصرين للرئيس "المحاكم" حول مقر الأكاديمية.. صورة الرئيس مرسي تملأ أرجاء المكان، وعلامات رابعة العدوية "إشارة الأصابع" تستقبلك بالقرب من تجمع أنصار الرئيس السابق بجوار بوابة "8".
وعلى مقربة من تجمع أنصار "مرسي"، وقف ملتحٍ يتحدث لآخر، وتنتابه حالة من الغضب، قائلا: "المفروض العدد كان يبقى أكبر من كدة، لازم الناس كانت تتجمع هنا، وتتملي المنطقة من أول العاشر لحد التجمع الخامس بأنصارنا.. مينفعش العدد القليل ده"، القلق الذي كان في أعينهم خلال الحوار كان ينبع منه حقيقة عدد أنصار الرئيس المعزول الذي لم يتعد بضعة آلاف.[FirstQuote]
تمر عربات الداخلية واحدة تلو الأخرى وكل منها يتلقى نصيبة من السباب والشتائم "الداخلية بلطجية.. يسقط يسقط سيسي مبارك".. والكثير من العبارات المناوئة للشرطة والجيش، وعلى مقربة من الأسلاك الشائكة يدور حوار آخر، شاب في منتصف عقده الثالث كثيف اللحية، مفعم الحماس، يصرخ مخطابا الجنود والضباط، الذين يفصله عنهم خط شائك صعب المرور، قائلا: "الظلم ظلمات يوم القيامة، والله غالب على أمره، وهل هناك إرهابي يتكلم معك بلسانه، فهم الإرهاب والخونة والكذابين، فوقوا يا جدعان لله".[SecondImage]
وإلى جواره سيدة تتشح بالسواد تحمل في يدها "القرآن" لتشهره في وجوه الجنود المتراصة خلف الأسلاك، وعلامات التعب والإرهاق تكسوا وجوههم، وضباط لا ينبسون بكلمة، يوزعون نظرات السخرية والاستهانة والغضب أحيانا على أنصار الرئيس المعزول من خلف الأسلاك، بعضهم يبتسم في وجه خطاب "الإخوان" الذي لم يخل من التهديد والوعيد والرجاء بعض الوقت، للخروج عن قيادته والانتصار للشرعية، حسب تعبيرهم.
يصطف الصحفيون وعربات الإعلام على جانبي الشارع الذي تحده إحدى مدارس اللغات من جهة، وسور أكاديمية الشرطة المرتفع من الجهة الأخرى، يحاولون تحسس أماكن الظل، وسيدة تتشح بالخمار، منكسة الرأس، تجلس في ظل إحدى السيارات، يرتفع صوتها بدعاء: "اللهم عليك بالظالمين، واللهم أنصر المسلمين"، وعلى بعد أمتار يلتف عدد من الفتيات حاملات الرايات الصفر مشهرات علامة الأربعة أصابع مرددين شعارات "الحرية والكرامة".[SecondQuote]
وسط الصخب الشديد، تقف مرتدية نظارة سوداء، تحاول أن تخفي ملامحها عن المارة، فوضع زوجها ضابط الجيش يمنعها من إعلان هويتها، مدام سامية، السيدة الخمسينية، لم تنم ليلتها من القلق على الرئيس المعزول، وتقول لـ"الوطن": "جئت وروحي فداء للرئيس، ولو كانت المحاكمة آخر الدنيا.. اللي بقاله سنة يتحاكم وممكن ياخد حكم باطل، واللي قعد على أنفاس البلد 30 سنة خروج هو وحاشيته".[ThirdImage]
سامية رغم عدم قناعتها بعدالة المحاكمة، ونزاهة القضاء، ولكنها جاءت وكل أمالها خروج الرئيس الذي تعتبره، أنزه رؤساء الجمهورية على مر تاريخ البلاد، حسب قناعتها، متوهمة أن البلاد عادت لستين عاما مضت من عهد أسمته بـ"زمن المعتقلات والتعذيب"، مشككة في القضاء: "بلدنا ديه احنا حاسين إننا فيها أغراب، وبدأنا نحس بإننا فقدنا مصريتنا".
قاطعت "سامية" سيدة منتقبة، متشحة بالسواد، تزين جبهتها بعلامة "الأصابع الأربعة"، رفضت ذكر اسمها، قائلة: "محاكمة هزلية"، متسائلة عن عدم محاكمة رئيس الحرس الجمهوري ووزير الداخلية، مؤكدة أنها غير معترفة بالحكم، والبراءة هي حق أصيل لمرسي، وموجوده في قلوب أنصاره، حسب قولها، وهتفت "باطل باطل باطل".
وعندما رفع آذان الظهر، تراص أنصار مرسي، افترشوا الأرض، ودخلوا في الصلاة، مرددين الدعاء للرئيس والإسلام، وعلى "السيسي" ورفقاء "الانقلاب" حسب تعبيرهم، وأثناء الصلاة جاء شاب بخطوات متسارعة، يصرخ بملء فمه مخاطبا من لم يلتفوا حول سجادة الصلاة: "يا ناس وقفين مش بتصلوا ليه، انتوا مش عارفين إن الأب مبيديش مصروف لعياله غير لما يسمعه كلامه، اسمعوا كلام ربنا عشان يكرمكوا، يالا على الصلاة يا ناس يا هوا".[ThirdQuote]
بين الواقفين حول المصلين، شاب ذو ملامح جنوبية، لم يكل من رفع علامة رابعة طوال حواره لـ"الوطن"، يعرف نفسه بأحد شباب ثورة 25 يناير، يؤكد أنه جاء لمناصرة أنصار الرئيس.. لحظات وارتقعت أصوات المتظاهرين مهللين رافعين علامة رابعة فقطع كلامه، وجرى مسرعا للانضمام لجموع المهللين دون معرفة سبب تلك الهتافات والتهليل، كان همه الوحيد التواجد وسطهم دون وعي بما يحدث، وهناك وسط التهليل والتكبير، الجميع يتجه إلى السلك الشائك، ويتحدثون عن أحد الضباط الذي أشار لهم بعلامة رابعة، مهللين وفرحين، وهو من الجانب الآخر يقهق أحد الضباط بالضحكات دون سبب مفهوم.
دقائق وجرى الجميع، إلى أين لا أحد يعرف الكل يجري باتجاه مجهول التفوا حوله، وظهر في الوسط رجل الجميع يسبه، ويعتدون عليه بالضرب في ظل محاولة بعض العقلاء تهدئة الموقف وتهريب الرجل، الذي يجري هربا من أيديهم ولكن دون جدوى حاصروه وأوسعوه ضربا مدعين أنه أحد مدعي الحق المدني ضد الرئيس.
بعيدا عن ذلك التوتر، كان يجلس عبد الله رجب ابن إحدى قرى محافظة الفيوم، على أحد الأرصفة ممسكا بكيس بلاستيكي يخفي علامة رابعة وصورة الرئيس المعزول، أتى من محافظته رغم عدم اعترافه بالمحاكمة، ويقول: "المحاكمة الباطلة ورحلتنا إلى هنا هو لرفض الفساد والظلم ومطالبتنا بحرية الرئيس المنتخب، ومحدش هيعرف يخرجه لأن الناس متعرفش الحقيقة التليفزيون بتاعنا مبيجبش الحقيقة.. الحقيقة بتبعها على قناة الجزيرة".
وعلى مقربة من مجلس عبد الله، يتشاجر رجل ستيني ملتحٍ، مع أحد الشباب المتحمس، حول فعالية وجود الإعلام، وخاصة بعد محاولة الاعتداء على بعض الإعلاميين وطرد آخرين، فالشاب يراهم فاسدين لا جدوى من وجودهم، محللا الاعتداء عليهم بأنهم "سحرة فرعون"، والستيني يجدهم حماية، ففي وجودهم لا تجرؤ الشرطة على الاعتداء عليهم، أو طردهم، فهم أمنهم وحمايتهم، حسب تعبيره.