خلف المنبر الخشبى جلس ثابتاً يتابع الحدث وكأنه لا يعنيه، عن يساره اصطفت المحكمة بكامل هيئتها، رئيساً ومستشارين، وعن يمينه برز قفص المحاكمة أوضح ما فيه رئيس كان بالأمس صاحب أعلى سلطة فى البلاد، فصار فى طرفة عين متهماً بجرائم لو ثبتت عليه لكان مصيره حبل المشنقة. لعله لم يتأثر بالمنظر المنشور أمامه، ربما لأنها ليست المرة الأولى التى يشاهد فيها رئيساً فى قفص الاتهام، سبقتها من قبل محاكمة أخرى لرئيس آخر ساقه هو إلى مصير مماثل قبل أكثر من عامين، ربما لهذا السبب استحق اللقب الذى يرشحه له البعض «الرجل الذى حاكم رئيسين».
مصطفى خاطر، المحامى العام لنيابات شرق القاهرة، الرجل الذى ساقه حظه لأن يقف مرتين فى موقف لا يُحسد عليه، فى المرة الأولى كان واحداً من فريق الادعاء الذى ترأسه وقتها المستشار مصطفى سليمان، المحامى الأول لمحاكمة الرئيس المخلوع مبارك، التى عُقدت فى 3 أغسطس عام 2011، وفى المرة الثانية كان عضواً أيضاً فى فريق ترأسه هذه المرة المستشار عبدالخالق عابد، المحامى العام لمحاكمة الرئيس المعزول محمد مرسى، التى جرت بالأمس، وفى المرتين طالب فريق الادعاء بـ«إعدام المتهمَين» باعتبارهما «محرضين على القتل»، على أساس القاعدة القانونية التى تقول إن «المحرض ينال جزاء الفاعل الأصلى فى الجريمة».
يقف «خاطر» مدعياً فى القضية التى قام بالتحقيق فيها قبل ما يقرب من عام كامل، عندما قامت جماعات مناصرة للرئيس المعزول بالاعتداء على معتصمين أمام قصر الرئيس، الشهير بـ«الاتحادية»، فض أنصار الرئيس الاعتصام واعتدوا بالضرب على المعتصمين، عذبوا بعضهم وأطلقوا سراحهم، واحتجزوا البعض الآخر عند البوابة رقم 4 بقصر الاتحادية، ساعتها توجه «خاطر»، باعتباره مشرفاً على التحقيقات التى كانت تجرى بمعرفة المستشار إبراهيم صالح رئيس نيابة مصر الجديدة، إلى مكان احتجاز 54 معتصماً، وبمناظرة أجسادهم ومشاهدة الإصابات التى تعرضوا لها قرر «خاطر» إطلاق سراحهم باعتبارهم «مجنياً عليهم وليسوا متهمين»، ضارباً عرض الحائط بتوصيات المستشار طلعت عبدالله، النائب العام السابق، بضرورة حبس من تجرأوا واعتصموا على باب الرئيس.
خرج «خاطر» من القضية بطلاً فى عيون معارضى الرئيس، لكنه لم يكن كذلك فى عيون مؤيديه؛ إذ سرعان ما أصدر النائب العام قراراً بنقله إلى نيابة بنى سويف، وهو القرار الذى رفض «خاطر» تنفيذه، مسارعاً بتقديم شكوى عاجلة إلى مجلس القضاء الأعلى يتهم فيها النائب العام بـ«توبيخه» و«محاولة التدخل فى عمله».
عاد «خاطر» إلى عمله بعد أن عدل النائب العام عن قراره، عاد ليباشر محاكمة «مبارك» فى الجولة الثانية من القضية، عقب قبول المحكمة لنقض المتهمين على الحكم، ثم كان من حظه أن يشارك فى المحاكمة التى جرت لـ«مرسى» ورفاقه بعد أكثر من عامين مرا على بدء محاكمة «مبارك».