داعشى فلسطينى: اكتشفت «الفخ» من أول يوم داخل «التنظيم» ولم أجرؤ على طلب العودة.. وكنت أتقاضى 50 دولاراً شهرياً

الأربعاء 11-07-2018 AM 09:44
داعشى فلسطينى: اكتشفت «الفخ» من أول يوم داخل «التنظيم» ولم أجرؤ على طلب العودة.. وكنت أتقاضى 50 دولاراً شهرياً

محمد أحمد أبوشعيب

«الشيخ البعيد سره باتع» مَثل مصرى شائع ينتقد من يرون أن البعيد هو الأفضل بخلاف الحقيقة، وهذا ما ينطبق على محمد أحمد أبوشعيب، الشاب الفلسطينى الذى يسكن فى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث تستقر قوات الاحتلال الإسرائيلى على مقربة منه وهى أولى بمقاومته، لكنه أصر على السفر إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم «داعش»، بغرض إقامة «شرع الله»، حسب قوله.

«أبوشعيب»: مساجد غزة تمد مختلف التنظيمات بالعناصر.. وسفرى لسوريا استغرق أسبوعاً فقط

ويكشف «أبوشعيب» فى حواره لـ«الوطن» من داخل معتقله بشمال سوريا، كواليس ذهابه وانضمامه للتنظيم وأسباب تخليه عن مقاومة العدو الإسرائيلى الذى يحتل أرض بلاده فلسطين، وما مر به من مواقف خلال وجوده بصفوف التنظيم لفترة طويلة فى دير الزور شرق سوريا، كما يكشف عن عمليات الخطف والاختفاء والقتل التى كانت تجرى داخل التنظيم بالنسبة للعناصر المتذمرة.

من هو محمد أبوشعيب؟

- أنا محمد أحمد محمد أبوشعيب، فلسطينى الجنسية، ولدىّ جنسية مصرية مكتسبة من الأم «مصرية من الإسكندرية»، ولدت فى منطقة أبوحليفة جنوب الكويت، وعشت فيها 6 سنوات، وبعد حرب الخليج الثانية، أقمنا فى مصر لمدة عام واحد، ثم استقررنا فى فلسطين، ودرست فى فلسطين حتى مرحلة الثانوية العامة، والمرحلة الجامعية قضيتها فى مصر، ودرست فى كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، وتخرجت عام 2009، وعشت طفولة جيدة لم أتعرض فيها لأى ضغوطات نفسية تدفعنى إلى العنف، وكنت أنا الولد المدلل لأنى أخ لـ4 بنات، ورغم أنى الأصغر فإنى كنت أبدو كبير العائلة، وكنا نعيش فى مدينة رفح بغزة على حدود سيناء، ومتزوج ولدىّ بنتان، ويمكن الآن لدىّ طفل ثالث، لأن زوجتى قبل القبض علىّ كانت حاملاً.

ماذا عن تفاصيل انضمامك لـ«داعش»، وما كنيتك داخل التنظيم؟

- كنيتى داخل التنظيم هى «أبوعائشة»، وانضمامى كان من خلال اطلاعى المستمر على شبكة الإنترنت لمعرفة ما يجرى فى سوريا، ورغم أن حربنا فى فلسطين مفتوحة مع الإسرائيليين، لكنها ليست بحدة القتال فى سوريا، وحتى أسرتى فى فلسطين مستقرة وحياتنا مُرفهة إلى حد كبير، لذلك تحمّست للخروج والدفاع عن المسلمين المظلومين فى سوريا، فقط من باب نصرة المسلمين والإسلام.

تركت فلسطين وانضممت إلى داعش لأن الشعب السورى يعانى أكثر من الفلسطينى.. ولا يوجد مجال لقتال الاحتلال الإسرائيلى فى غزة.. وشاهدت الرؤوس المعلقة والرقاب المقطوعة لإرهاب المتذمرين.. وكل يوم يختفى أحد أصدقائى ولا أستطيع السؤال عنه.. وعملت إداريا فى التنظيم

هل كنت متديناً متشدداً قبل الانضمام للتنظيم؟ وما انتماءاتك السياسية؟

- كنت متديناً ولست متشدداً، لكن المشاهد التى كنت أراها عبر الإنترنت كانت تؤثر فىّ وتدفعنى إلى الذهاب لسوريا لفعل أى شىء هناك، وكنت أقرب إلى حركة حماس، بالتوجه ولم أكن عضواً فعالاً فيها، وحماس هى الحركة الأولى فى غزة وأنا كنت ملتزماً أواظب على التردد على المسجد، وفى مجال الدعوة، لكن رسمياً ما كنت تابعاً لأى تنظيم فى فلسطين، وكل الناس هناك مقسمون يقولون هذا ابن حماس وهذا ابن فتح، لكنى لم أكن فعالاً فى أى منهما.

ماذا عن رحلة سفرك إلى سوريا؟

- كنت دائم التردد على المسجد والتقيت بشخص كان يوجد بشكل مستمر به، وكان يساعد الراغبين فى الانضمام إلى «داعش» وبمثابة حلقة وصل بين التنظيم وشباب فلسطين، لكنى سافرت على نفقتى الخاصة، لأن مستواى المادى جيد ومعى مال، وسافرت إلى مصر ومنها إلى تركيا، ومنها إلى سوريا، وكان الطريق سهلاً جداً من تركيا لسوريا، الشخص الذى كان معى فى المسجد أوصلنى بآخر فى تركيا، والتقيت به وساعدنى لأنتقل إلى حدود تركيا مع سوريا، عند منطقة جرابلس، ومشينا على أقدامنا مسافة فوجدنا أنفسنا فى منطقة بئر الليمون داخل سوريا، وكان ذلك يوم 22 يوليو 2014 بعد إعلان الخلافة، فى رمضان، ولم يستغرق سفرى من فلسطين إلى الرقة السورية سوى أسبوع واحد، بعدما وصلت الحدود السورية دخلت أنا ومجموعة كانت تتسلل الحدود، إلى مدرسة فى جرابلس، وبعدها انتقلنا إلى «معسكر شرعى» أخذنا فيه دروساً شرعية، واستمعنا لحديث عن الجهاد والتكفير، ووقتها أدركت أننى وقعت فى فخ فى الأسبوع الأول، لأنى جئت من أجل نصرة أهلى المسلمين، ولا يمكن أن تتجرأ على القول وتقول إنك تريد العودة، لأن المعاملة كان فيها شىء من الشدة والغلظة.

لماذا لم تحاول العودة من نفس الطريق الذى أتيت منه؟

- أخذوا منا جوازات السفر، ولمجرد أننى تفوهت بأن من يريد العودة يعد، تم سجنى عند الأمنيين وتهديدى بالقتل ورفعوا السلاح فى وجهى وكانوا سيقتلوننى، وكانت التهمة هى محاولة تهريب عناصر خارج أرض «داعش»، وهذا فقط لمجرد أن أحد الأشخاص قال لى إنه تحدث أخطاء كبيرة وكوارث، ويريد العودة فقلت له لو تقدر افعلها، ومن ذلك الحين وأنا «أمشى جنب الحيط»، وعلمت أننى لن أتمكن من الهروب.

«مضافات» النساء كانت منتشرة لا ستضافة مهاجرات لجهاد النكاح من مختلف الجنسيات

قبل أن تخرج من فلسطين هل طُلب منك فعل أى شىء للتأكد من ولائك؟

- لم يُطلب منى ذلك وأنا فى فلسطين، وبعدما دخلت طلب منى الشخص الذى استقبلنى فى جرابلس التزكية ولم أكن أعرف معناها، وهى كانت عبارة عن شخص قديم موجود داخل التنظيم يكون بمثابة ضامن أو كفيل لى، أى يعرفنى ويضمن أنى لست جاسوساً، لكنى أخبرتهم أنى لا أعرف أى شخص داخل التنظيم، وتم التعامل معى مثل بقية من يأتون من دون تزكية، وهى أن يدخلونى ويدمجونى وسط المقاتلين والتحقق منى ومن تصرفاتى إن كنت أبحث عن معلومات أو أى شىء مثير للريبة.

لماذا ترسخ فى ذهنك أنك وقعت فى فخ وشعرت بخطورة التنظيم؟

- كنت أعمل إدارياً فى المعسكر، وكانت معاملاتى كثيرة مع العناصر، وأرى ظلماً بشكل مستمر حتى بين عناصر التنظيم وبعضهم، ووظيفتى كانت هى أخذ الأمانات الخاصة بالعناصر الجدد لحين انتهاء دورتهم ثم يعودون لأخذها، وبعد سجنى وتهديدى بالقتل بسبب حديث بينى وبين أحد الأشخاص حول الهروب طلبت أن يكون عملى بدون اختلاط مع أى شخص، فذهبت إلى المكتب التقنى لصيانة أجهزة الحاسوب «هارد وسوفت وير»، وكنت أتقاضى راتباً أو ما يعنى «مصروف» 50 دولاراً كل شهر.

دفعت «25 ألف ليرة على الرأس» لتهريب أسرتى بعد اشتداد القصف على «الميادين» والتنظيم كان يحيط مناطقه بالألغام لإفساد الهرب.. وندمت بعد انضمامى إلى «داعش» بأسبوع واحد وخشيت إظهار ذلك وتم تهديدى بالقتل بتهمة محاولة تهريب العناصر خارج الدولة

هل وقعت فى يدك مواد على أى من أجهزة الحاسوب بها معلومات سرية عن التنظيم؟

- لا، كل المواد السرية والمهمة يحتفظون بها على «هارد» خارجى، وخشيت أن أحاول البحث فى أى من الأجهزة.

هل حملت السلاح وشاركت فى معارك؟

- لا لم أشارك فى معارك، لكنى كنت أقف فى الرباط -الحدود- وكان الرباط مفروضاً على الجميع، لا يوجد عنصر داخل التنظيم لم يوكل له مهمة الرباط حتى لو كان إدارياً مثلى، وفى الفترة الأولى من عملى قضيت شهوراً أنام فى المكتب الذى أعمل فيه لإصلاح الأجهزة، وبعدها تمكنت من توفير منزل فى الرقة واستأجرته عن طريق إدارة التنظيم، وكان أشبه بمنزل يجتمع فيه عناصر التنظيم أو يبيت فيه من يريد.

لماذا اخترت سوريا فى حين أنك فلسطينى وتوجد مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الغاصب للأراضى الفلسطينية؟

- تركت فلسطين وانضممت إلى داعش لأن الشعب السورى يعانى أكثر من الفلسطينى والحرب عندنا فى غزة ليست كما هى فى سوريا، والحياة أيضاً ليس بها مجال يسمح بقتال الصهاينة، وما دفعنا للسفر إلى سوريا هو ما كنا نراه من معاناة لأهلنا فى سوريا، كل ذلك كان هو المسيطر الوحيد على أفكارنا، والمساجد لدينا فى غزة هى مكان تكوين وتشكيل التنظيمات جميعاً، فإذا أردت أن تدخل أى تنظيم يكون من خلال المسجد، وجاءت فرصة أنى أذهب إلى «داعش» فذهبت، كما أن فكرة الجهاد ودفع الظلم عن المظلومين بدأت عندى منذ طفولتى وأنا ألقى الحجارة على قوات الاحتلال الإسرائيلى وانتهت بالانضمام إلى التنظيم.

هل توقعت أن تنتهى حياتك فى «داعش»؟

- نعم، أنا ما توقعت بل تأكدت أنه سينتهى، ولكن ليس بهذه السرعة، بسبب ما كانت أراه والذى لا تقبله أى نفس، فكرة أن تجد رؤوساً معلقة وقطع رقاب، ولا أحكى حتى عن المدنيين الذين كانوا يعيشون تحت حكمنا، لكن أتحدث حتى عن ما كان يجرى مع المهاجرين الذين هاجروا من بلادهم لنصرة الإسلام فى سوريا، فكنت أجد أحد أصدقائى يختفى فجأة وأعلم بعد ذلك أنه تم قطع رقبته لبث الرعب فى نفوس أصدقائه، كنت أصحى من النوم ولا أعرف من سيختفى من أصدقائى المتذمرين من الأوضاع، ولا كنت أجرؤ على السؤال عنه أين ذهب ولماذا.

هل كان لديك أصدقاء متذمرون من سياسة التنظيم؟ وهل حاولوا الهرب؟

- نعم هناك من حاول الهروب وقُبض عليه وقُتل، ولدىّ صديقان هربا من التنظيم، وكانا هما أقرب عنصرين بالتنظيم لى، تركا التنظيم، ورحلا بعدما كنا ننتقد التنظيم وأبلغتهما أن يأخذانى معهما، ولكن تركانى، لأنى كان لدىّ أمل أن أهرب، وكنت فى كل محادثة أتواصل مع أهلى وأخبرهم أننا سنلتقى، بعدما كانت تناشدنى أمى العودة، وكان فى مخططى أن أهرب إلى تركيا، وهم يتركون فلسطين ونكمل حياتنا فى تركيا.

أيقنت أنى لن أتمكن من مغادرة التنظيم بعد سحب جواز سفرى وسجنى لأنى تحدثت مع أحد العناصر عن محاولة للهرب

تزامنت فترة دخولك التنظيم مع توسع داعش فى العراق، هل ذهبت للعراق؟

- نعم، ذهبت إلى مدينة الموصل وكانت كبيرة وجميلة، ورأيت فيها كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات لدى التنظيم، لكنى لم أبق فيها فترة طويلة، وعدت إلى الرقة.

ماذا عن السبايا وجهاد النكاح؟

- كنت أحضر دروساً فى غزة تتحدث عن موضوع السبى، وعندى علم مسبق بالموضوع، وما أعرفه أو الذى مؤمن به أن الإسلام جاء حتى يحل مشكلة السبى، ولا توجد آية فى القرآن عن السبى، وكل الآيات عن تحرير الرقاب.

ما جنسيات النساء اللاتى كن يأتين إلى التنظيم بغرض جهاد النكاح؟

- مضافات النساء كانت كثيرة، وكل مضافة بها نحو 100 فتاة وسيدة، وتأتى النساء والفتيات من كل دول العالم، وهن جئن للهجرة لهم، وكان يشرف عليها رجل وزوجته.

هل تزوجت فى سوريا؟

- نعم تزوجت سورية من مدينة الرقة، سبق أن قُتل زوجها فى معارك بمنطقة عين عيسى -تتبع الرقة- ورغم أننى كنت أعطيت وعداً لزوجتى الأولى أنى لن أتزوج وسأظل صابراً حتى أتمكن من الخروج، لكنى بعد عام واحد من ذهابى سوريا تزوجت بسبب إلحاح الأصدقاء، وبعدها زوجتى الأولى طلبت أن تأتى لسوريا ومعها بناتى فأمنت لها الطريق، وكان أمراً فى غاية الصعوبة.

أنت تقريباً انضممت للتنظيم منذ بدايته حتى نهايته، هل هناك اختلاف فى سياسته على مدى الأربع سنوات؟

- لا، كانت سياسة واحدة، وكانت التهم كفيلة بالزج بك فى السجن أو حتى القتل، وأبشع تهمة وأسهلها من حيث التصديق هى الغلو فى الدين، أن أقول فلان لديه غلو فى الدين، وقتها يأخذونك ولا تظهر مرة ثانية.

لكن الغلو فى الدين والتكفير هو منهجهم أساساً، فكيف يعاقبون عليه؟

- القيادات فقط أو المسئولون هم المسموح لهم بالغلو فى الدين والتشدد، ولكنها فى الأساس كانت تهمة فضفاضة غير مفهومة، وكانت عقوبتها قص الرقبة، ولا أفهم كيف الغلو لا يناسبهم!

حدثنى عن الفترة الأخيرة بعد انحسار قوة التنظيم وسقوط الرقة.. كيف تعاملت مع هذه التطورات ومعك أسرة من زوجتين وابنتين؟

- قبل سقوط الرقة، طلب التنظيم منى الذهاب إلى دير الزور، وبالفعل خرجت وكان الوضع فيه فوضى ولم يكن مرتباً، فوضعت زوجتىَّ والبنات فى مضافة للنساء، وذهبت إلى المسجد أقمت فيه بضعة أيام حتى تمكنت من العثور على منزل بمنطقة الميادين، وجمعت أسرتى فيه.

كيف ومتى قُبض عليك فى دير الزور؟

- فى الأول من ديسمبر 2017 كان القصف عنيفاً على الميادين، فاتفقت مع مهرب على تهريبنا وأخذ على كل رأس 25 ألف ليرة وكانت هى تسعيرة الهرب، لأن الكثير علم بأن التنظيم لن يصمد، ولم يعد قادراً على السيطرة على المدن التى تتعرض للقصف المستمر والهجوم، وخرجت فى يوم 7 ديسمبر من منطقة اسمها «جرانيش» وركبنا السيارة الخاصة بالمهرب، ولم نكن نستطيع الخروج بسبب إحاطة التنظيم مدنه بالألغام والمفخخات التى قد تنفجر بك فى أى لحظة، لكن المهرب يكون على علم بأماكن الألغام، ويستخدم هذه المعلومات فى المجازفة وتهريب الناس والتربح من خلفهم، وتم إلقاء القبض علىّ وأسرتى عند أحد الحواجز على أطراف مدينة دير الزور من قبل قوات «سوريا الديمقراطية»، وتم كشفى لأنه كان واضحاً أننى لست من دير الزور، وبالتالى أنا داعشى، فأبناء دير الزور بشرتهم سمراء قليلاً وأيضاً لهم لهجة مميزة، فكشفونى، وتم أخذ زوجتى فى مخيم خاص بعوائل الدواعش، وأنا تم اعتقالى، وأنا فهمت الخطأ الذى ارتكبته والفخ الذى وقعت فيه، فقد صدمنى التنظيم فور دخولى سوريا وجعلونى أشاهد رؤوساً بشرية معلقة على أبواب مدينة الرقة، فعلمت أننى دخلت نفقاً مظلماً.

«الوطن» على جبهات الحرب فى سوريا

أخبار قد تعجبك

التعليقات

الأكثر قراءة

عاجل