كان الأسلوب الذى أدار به عبدالرحمن بن عوف مسألة الاختيار بين على وعثمان صادما لعلى بن أبى طالب بدرجة كبيرة. ويذكر «ابن كثير» فى «البداية والنهاية» أن كثيراً من المؤرخين ذكروا أن «عليا قال لعبدالرحمن: خدعتنى، وإنك إنما وليته لأنه صهرك، وليشاورك كل يوم فى شأنه». وينفى ابن كثير هذا الخبر ويلج فى عدم قبوله، رغم أنه يتقاطع فى المضمون الذى يحمله مع العديد من المواقف التى أثبتتها كتب التاريخ الإسلامى مؤيدة ما ذهب إليه على. فابن الأثير يثبت أن العباس بن عبدالمطلب قال لعلى، عندما علم بأنه اختير ضمن أهل الشورى الستة: «لا تدخل معهم. قال: إنى أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره». لقد كانت وجهة نظر العباس بن عبدالمطلب أن ينأى على بن أبى طالب بنفسه عن الأمر برمته؛ لأنه كان يرى أنهم لن يعطوها له بحال. وقد فهم ذلك جيداً عندما استمع إلى توجيهات عمر بشأن حسم أى خلاف متوقع بين أهل الشورى، حين قال: «وإن رضى ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكموا عبدالله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبدالله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس».
كان العباس بن عبدالمطلب، رضى الله عنه، سياسياً حاذقاً، يشهد على ذلك أن النبى، صلى الله عليه وسلم، استعان به فى التفاوض مع وفد المدينة فى بيعة العقبة الثانية، رغم أن العباس وقتها لم يكن قد أسلم بعد وكان على دين قومه. وعند فتح مكة كان العباس هو من أشار على النبى بأن يعطى أبا سفيان بن حرب شيئاً، بعد أن قال صلى الله عليه وسلم: «من دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن»، وعندما نبهه العباس إلى الأمر أضاف صلى الله عليه وسلم: «ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن». ولم يكن مغزى العبارة التى قالها عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، حول الانحياز للشخص الذى انحاز إليه عبدالرحمن بن عوف ليغيب عن فهم العباس. يذكر «ابن الأثير» أن العباس تلقى عليا بعد سماعه هذه المقالة فقال له: «عدلت عنا! فقال على: وما علمك؟ قال: قرن بنى عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضى رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معى لم ينفعانى. فقال له العباس: لم أرفعك فى شىء إلا رجعت إلى مستأخراً لما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، فأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سمّاك عمر فى الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ عنى واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به لنا غيرنا».
قضى الأمر وتولى عثمان أمر المسلمين، فى ظرف تاريخى خاص للغاية، دانت فيه الكثير من البلاد لحكم الإسلام بفعل الجهود التى قام بها الخليفة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فى الفتح، وأخذت الأحوال الاقتصادية فى الانتعاش، وكثر المال ببيت مال المسلمين. وقد ارتكزت سياسة عمر بن الخطاب على التشدد وعدم منح المال ببذخ، ولم يجزل الأعطيات لصحابة النبى، صلى الله عليه وسلم، واحتفظ بهم إلى جواره فى المدينة يستشيرهم فى أمور الدين والدنيا، ومنعهم من التحول عنه والتجول فى الأمصار حتى لا يفتتن بهم الناس. وقد بدأ عثمان، رضى الله عنه، فترة حكمة بتحول محسوس عن هذه السياسة؛ إذ زاد -بمجرد توليه- من أعطيات الناس، وعظمت الثروات فى أيدى البعض، وأصبحوا مراكز قوى اقتصادية هائلة، كان من الطبيعى أن تبحث لنفسها بعد ذلك عن أدوار سياسية، وتمتع صحابة النبى، صلى الله عليه وسلم، فى عصر عثمان بحرية أكبر فى الحركة فبدأوا يتنقلون بين المدن والأمصار، دون أن يحول بينهم حائل، بعد عشر سنين من حكم عمر يحكى الطبرى أنه «حجر فيها على أعلام قريش من المهاجرين الخروج فى البلدان إلا بإذن وأجل، فلما ولى عثمان لم يأخذهم بالذى كان يأخذهم به عمر فانساحوا فى البلاد».