في رحلة "المرض الوِحِش".. "فتاة المترو" تفقد محطة طفولتها
يجلس إلى جوار أمه منزويًا يتعلق بذراعها. يبدو صغيرا، وتستطيع بصعوبة رؤية عينيه اللتين أخفتا مشوار الألم والمرض. تغطي نصف وجهه السفلي كمامة عازلة. هيكل ضعيف يسكن بداخله. عظام يكسوها قليل من اللحم، وقدم نحيفة لا تحتمل السير.
تسوق الأم الطفل ذا السنوات العشر إلى أحد المقاعد بمجرد وصولها لعربة المترو. لا يستطيع الناظر التأكد من كونه صبيًا أم فتاة. الملامح توحي بصبي أشقاه الدهر، لكن ملابس الفتاة و"الشبشب" الوردي وغطاء الرأس الذي يحجب الشعر المتساقط، يوحي بأنها فتاة، فقدت طفولتها بعد إصابتها بالسرطان، أو "المرض الوِحِش" في الموروث الشعبي. "يا ماما رجلي بتوجعي"، تنطق الفتاة وسط أنين. تستنجد بأمها من أجل بعض مسكنات الألم.
لم تكن الفتاة رغم حالها شغل أمها الشاغل. بين الحين والآخر تراقب طفليها الآخرين يلهوان في عربة المترو؛ صبي عمره ست سنوات وفتاة لم تتعدَّ أربعة أعوام. يبدو على الأسرة الصغيرة التي غاب عنها العائل، الفقر والفاقة، لكن مرض الفتاة بالسرطان منذ 6 سنوات، ورحلة العلاج القاسية بين الكيماوي والألم، تبدو كأنها القشة التي قصمت ظهر بعير الأم.
وبين صراخ الفتاة من ألم رجليها، وتنقل الطفلين من مكان لآخر في العربة، نسيت الأم محطتها. أفاقت من سهوها لتسأل عن "السادات"، وتدرك أنها جاوزت المحطة إلى ما يقرب من نهاية الخط. ينصحها الركاب بالنزول والعودة من جديد. تفكر أنه "مشوار" يبدو قصيرا إلى جانب رحلة السرطان، لكنه سيزيد من ألم الفتاة المريضة، ويضيف محطة أخرى إلى محطات المعاناة في عمرها القصير.