خمسة أشهر للوراء.. وصل الأستاذ الجامعى إلى مكتبه الوزارى، يفتح باب المكتب أحد حراسه الشخصيين المحيطين به من كل الزوايا. يرافقه سكرتير ألفه الحراس، يضع بين يديه ورقتين يمهرهما بتوقيعه، الأولى بيان بمكافآت يصرفها بعض مقربيه بالوزارة كبدل لحضور اجتماعات، والثانية منشور يوزع على مديريات التموين فى المحافظات للسماح للجان الشعبية بأخذ الحصص المدعومة من أسطوانات البوتاجاز لبيعها والتربح منها، يوقّع الوزير مبتسماً، ورقتين أخريين، الأولى منشور من الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة يؤكد عدم قانونية صرف مكافآت لموظفى الوزارة لحضورهم الاجتماعات، والثانية طلبات من لجان شعبية، غير إخوانية، تطلب حصصاً من «البوتاجاز» المدعوم لتوزيعه أسوة بلجان الإخوان الشعبية. يزوى الوزير ما بين حاجبيه ويرد الورقتين.
باسم عودة، أستاذ الهندسة الطبية بكلية الهندسة جامعة القاهرة، واستشارى الهندسة الطبية وتكنولوجيا الرعاية الصحية.. لكن للأكاديمى أدوار أخرى فى التنظيم الذى انتمى له منذ وقت مبكر فى عمره فهو مقرر لجنة التنمية المحلية فى حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ومنسق حملة «وطن نظيف» التى انطلقت فور وصول الدكتور مرسى لكرسى الرئاسة ضمن برنامج المائة يوم الأولى.
وُلد «عودة» فى محافظة المنوفية عام 1970، وتخرج فى كلية الهندسة، وانضم لجماعة الإخوان المسلمين قُبيل الثورة، وبعد الثورة مدّ باسم عودة، عضو الأمانة المركزية للتخطيط والتنمية بـ«الحرية والعدالة»، جذور «الجماعة» فى الشارع المصرى من خلال اللجان الشعبية التى كان دورها يتنامى ببطء حتى وصل هو إلى منصب الوزير. وقبيل توليه حقيبة «التموين»، كان القيادى الإخوانى رئيساً للمكتب التنفيذى فى ائتلاف اللجان الشعبية بمحافظة الجيزة.
«أفضل وزير تموين فى تاريخ مصر» هكذا يصر أعضاء «الجماعة» ومؤيدوها على وصفه منحازين إلى الوزير الذى منح اللجان الشعبية المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين الحق الحصرى فى توزيع أسطوانات البوتاجاز، حيث ضيّق الخناق على المستودعات المرخصة ليجبرها على تحويل حصصها الإضافية إلى تلك اللجان الإخوانية. لكنه -كما يرى أبناء صفه السياسى- خلق سبيلاً لتوزيع أسطوانات بعيداً عن السوق السوداء ليصل الدعم لمستحقيه. وفى رأى أنصاره، ساهمت قرارات «عودة» بشأن رفع الدعم عن الدقيق فى إنقاذ المواطنين من المتاجرة فى الدقيق المدعوم.
تلميحاً وتصريحاً أعرب رموز المعارضة عن ضيقهم من تولى أحد قيادات الإخوان حقائب الوزارات السيادية، ومن بينها «التموين»، حتى صرّح أحدهم قبيل «30 يونيو» بأنه لا بد أن تبقى الوزارات الأساسية والسيادية مستقلة عن الأحزاب السياسية، لا سيما الحزب الحاكم، كـ«العدل والداخلية والمالية والتموين».
يومان للوراء.. ألقت قوات الأمن القبض على الوزير المستقيل فى 4 يوليو السابق بتهمة التحريض على القتل فى أحداث «بين السرايات والمنيل» وغيرها، ليقضى «عودة» أيامه المقبلة خلف قضبان دولة ما بعد «30 يونيو».