حجرة صغيرة على ضفاف الملاحات، فى مكان يقع على أطراف محافظة الإسكندرية، بلا مياه ولا دورة مياه ولا كهرباء. كنبة صغيرة تستقر بجانب تلك الحجرة، أصوات الكلاب تتداخل مع صوت السيارات وتصاعد الأتربة، هى أكثر ما يميز الحوض (306) فى ملاحات الإسكندرية، والذى كان يعج قبل 30 عاماً برائحة السمك، وضحكات الصيادين الجالسين أمام شواية كبيرة لشواء السمك عقب يوم كامل من الصيد والرضا بما قسمه الله لهم من خيرات.
بجانب الحجرة، سيدة عجوز فى عقدها الثامن يظهر فى عينيها صبر وجلد الصيادين، ورثته من زوجها الذى توفى بعد أن ترك لها 12 طفلا وطفلة، متأثراً بالسل والكبد، اللذين أصيب بهما بسبب نزوله لمياه الملاحات بشكل يومى لعقود طويلة، ما يستدعيه مهام عملهم من ضرورة الإمساك بـ«التبيتة» بنفسه والنزول لأوقات طويلة فى المياه.
تزوجت الحاجة فوزية السيد فى الحوض 306 وكان زوجها يعمل صيادا بالملاحات، أنجبت منه 8 فتيات و4 صبية، ثم تركها ورحل بعد أن استسلم لمرضه، وتولت مسئولية تربية أبنائها، رغم أنها لم تكن تعمل ولا تمتلك أى مصدر رزق، ولا معاشا، فاضطر الصبية لترك التعليم والعمل فى الصيد، كما كان والدهم، ليتمكنوا من المعيشة.
عاشت الحاجة فوزية فى الملاحات أكثر من 70 عاما. تصف بداية حياتها هناك بالجنة، كان الرزق فى الملاحات كثيرا، وتقول: «الصياد زمان كان يدخل الميه ساعة أو ساعتين الصبح يطلع بأشكال وألوان السمك كان فيه البلطى والبورى الحناش والقراميط مبروكة وفرادى وخنينى وكانت العيشة جميلة.
وتروى «فوزية» لـ«الوطن»، سبب إطلاق اسم «الملاحات» على أحواض بحيرة مريوط العذبة، مؤكدة أن الأمر يتعلق فقط بتشابه مظهر مياه الأحواض مع مظهر مياه ملاحات «المكس»، التى تعد المصدر الرئيسى لأملاح الصوديوم بالمحافظة، مؤكدة أنه قبل شق الطريق الفاصل بين «البحرين» العذب والمالح، كانا قريبين لدرجة إطلاق اسم الملاحات على كل المساحة المائية الواقعة من شرق الإسكندرية وحتى أول طريق الساحل الشمالى.
تعيش الحاجة فوزية و16 فردا هم أبناؤها غير القادرين على الكسب، من مياه الملاحات الفقيرة بالرزق، وأحفادها، فى الحجرة التى لا تتعدى مساحتها أكثر من 12 مترا مربعا، وتخلو من أى مظاهر للمرافق الأساسية، تنام النساء والفتيات الصغار داخل الغرفة، بينما ينام الرجال والصبية على الكنبة الموجودة فى الخلاء المقابل للطريق السريع بجانب تلك الغرفة.
وتكمل الحاجة فوزية متأثرة بضربات الحياة التى لم تتركها بعد وفاة زوجها: «أنا عاجزة أمام بناتى وأحفادى مش قادرة على احتياجاتهم، ساعات ولاد وبنات أولادى وبناتى ما بيروحوش المدارس بسبب عدم وجود مصاريف المواصلات».
وأنهت بأن ابنها الذى يرعاها اضطر لتغيير مهنة الصيد التى ورثها عن والده بعد أكثر من 40 عاماً، ليفتح مشروعا صغيرا أمام الملاحات وهو «كشك شاى» يكسب منه رزقه، ثم جاء مسئولو المحافظة وأغلقوه وحرروا ضده محاضر، وتابعت: «يعنى رضينا بالهم والهم مش راضى بينا».