حكاية صورة.. وأنت الباقى

كتب: سماح عبدالعاطى

 حكاية صورة.. وأنت الباقى

حكاية صورة.. وأنت الباقى

لا شىء يستدعى انتباهك، ذاك بالون، مجرد انتفاخ مملوء بالهواء، حين يتوقف ضخه إلى الداخل يتضاءل الكيان المرتفع شيئاً فشيئاً ويصبح أثراً بعد عين. لا مجال للمقارنة، أنت غيره، أنت بنيان من لحم ودم، أنت هنا منذ آلاف السنين، وسوف تبقى هنا لآلاف السنين تزرع نفس الأرض، وتجلس على نفس العربة الخشبية التى يجرها الحمار نفسه، ترتدى جلبابك الصعيدى الخشن، وتلف حول رأسك عمامتك الصوفية، وتدس أقدامك فى ذات المركوب الذى ترفعه فى وجه العالم. خلفك سوف يطل ملوك الوادى كما اعتادوا كل صباح على رعاياهم من ساكنى البر الغربى، حيث تمتد مملكة الموتى، وينام الملوك والملكات مقيدين داخل توابيت من حجر، يحجبهم الجبل الشامخ عن الرؤية، فيما يفرض حضورهم القوى نفسه على كل من يجاورهم. يقتحمك بالتأكيد ذلك الحضور، حتى ولو لم تعرفهم بالاسم، حتى ولو لم تسمع فى حياتك عن توت، أو رمسيس، أو أخناتون، أو حتشبسوت، أو نفرتيتى. فتّش بين جنباتك لتكتشف السر الذى أودعوه فيك، طلّسمات مقابرهم الملكية، نبوءات كهانهم وعرافيهم، شجاعة جنودهم واستبسالهم، صبر فلاحيهم واحتمالهم. تاريخك ليس بعيداً عنك، تاريخك يجاورك، تاريخك على بعد خطوات قليلة منك، فى تلك الأرض التى تقلبها بفأسك ثم ترويها من ماء النهر العظيم، وفى هذه القدم التى تتركها لتتدلى من فوق الكارو، وفى هذه النظرة التى ترسلها للأفق البعيد على ذلك الكيان المنتفخ بالهواء، لتدرك فى النهاية أن المقارنة ليست فى محلها، وأنك، وأنت الباقى.