النضال لا يحتاج كرسى الرئاسة

كتب: عبدالعزيز الشرفى

النضال لا يحتاج كرسى الرئاسة

النضال لا يحتاج كرسى الرئاسة

تعددت التهم التى وجهت إلى «مانديلا»، فبدأت بالاعتداء على أهداف حكومية ولم تنته عند حد إدانته بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وفى محاكمة سريعة حكم عليه بالسجن مدى الحياة، فثارت على الفور عاصفة من الضغوط الدولية لإطلاق سراحه، إلا أنها لم تسفر عن نتيجة حقيقية إلا فى عام 1990، فخرج من السجن وصار رئيسا لحزب «المؤتمر الوطنى الأفريقى»، ليقود بعدها المفاوضات مع الرئيس دى كليرك لإلغاء نظام الفصل العنصرى وإقامة أول انتخابات متعددة الأعراق فى عام 1994.. ليصبح للمرة الأولى أول رئيس لحكومة وحدة وطنية تسعى لنزع فتيل التوترات العرقية. 4 سنوات فقط هى الفاصلة بين خروجه من السجن واعتلائه كرسى رئاسة بلاده، فبعد أن خرج مكللا بهالة من البطولة.. أصبح السجين الذى قضى ربع عمره تقريبا فى السجون، رئيسا وطنيا وحّد البلاد واعتبره «البيض» سببا لعدم الخوف من التغيير. بدأ رئاسته بالتأكيد على أن «البلاد تدخل فى عهد جديد لبناء مجتمع يكون فيه جميع مواطنى جنوب أفريقيا من السود والبيض على السواء، قادرين على السير برؤوس شامخة دون أن يعتصر قلوبهم أى خوف، مطمئنين إلى حقهم الثابت بالكرامة الإنسانية، أمة قوس قزح بسلام مع نفسها والعالم».. لم تكن تلك مجرد شعارات، وإنما افتتاحية لعصر تحولت فيه بلاده من جمهورية عنصرية إلى دولة ديمقراطية من الطراز الأول. نضاله بدأ منذ طفولته، فقد بدأ حياته على نبأ إقالة والده من منصب مستشار الملك فى عام 1915 من قبل مجلس حكام أبيض، بتهمة الفساد، وهى التهمة نفسها التى أقيل بها سلفه، ما يعنى أن السبب الحقيقى لإقالته كان «وقوفه ضد مطالب المجلس غير المعقولة». تفاخر «مانديلا» بميراثه من والده.. الميراث الذى صنع تلك الحالة.. ميراث «التمرد بفخر» و«الإحساس العنيد بالعدالة». كونه «حالة» أكثر منه مجرد «شخص» صنع لنفسه مجدا تاريخيا، ينفى كل من هو مطلع على شئون جنوب أفريقيا صحة ما يتردد من شائعات بشأن اشتعال الأوضاع فى البلاد بعد وفاته، فهم يؤكدون أن هذه المزاعم «فيها طعن فى الشعب الجنوب أفريقى وفى إرث مانديلا نفسه، لأنه كان مصدر إلهام للجميع، وصنع حالة اكتسب بها العالم مصدر وحى للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية». رغم غيابه عن الساحة السياسية أثار رحيله موجة ردود فعل فى أنحاء العالم.. الجميع يبادر ويسارع بتوجيه التحية إلى «الحالة» الاستثنائية التى غيرت مجرى التاريخ.. فليس من رئيس ولا مناضل سياسى ولا حتى حائز على جائزة نوبل، يحظى بهذا الكم من الاحترام والحزن على رحيله فى أنحاء العالم، فهم جميعا يشيدون بصفاته الإنسانية قبل نضاله القومى. تمسك بـ«السلمية» منذ بداية نضاله على نهج «غاندى» فى الهند، وأدرك أن «الانتصار لا يأتى إلا بهزيمة الخوف والتضحية فى سبيل القضية»، ومع تعرض المتظاهرين السلميين للقتل بأعداد هائلة خلال تظاهرات ضد العنصرية.. وصل إلى تصور لم يكن منه مفر، الحل يكمن فى العنف.. فابتدع شعارا جديدا لنضاله فى سبيل تحرير بلاده: «لا بديل عن المقاومة المسلحة والعنف». لم يتوقف نضال «ماديبا» عند حد النضال والوصول إلى الرئاسة وتغيير الدستور لوقف حالة التمييز العنصرى فى بلاده، فبعد أن انتهى من فترة رئاسته، تأسست على الفور «مؤسسة نيلسون مانديلا»، وهى تهدف إلى تكريس مبادئه وأفكاره فى أنحاء العالم، وخرج هو يجوب الدول جميعا يدعو إلى الحرية والمساواة والتوقف عن العنصرية.