بالتفاصيل| جذور التنوير والتطوير بالأزهر

كتب: سعيد حجازي وعبد الوهاب عيسى

بالتفاصيل| جذور التنوير والتطوير بالأزهر

بالتفاصيل| جذور التنوير والتطوير بالأزهر

اعتمد الوالي محمد علي باشا في عمل نهضة مصرية على طلاب واساتذة الأزهر فقاد علماء الأزهر جهود تنوير الأُمة وتجديد تراثها، وكان على رأس العلماء الشيخان حسن العطار الذي وضع أسس تلك النهضة، وتلميذه رفاعة الطهطاوي، الذي يعد بحق رائد التجديد والتنوير في مصر الحديث، بما قدمه من جهود في مجال الترجمة كما كان له الفضل الأكبر في الدعوة إلى تعليم المرأة إلى جانب إسهاماته في نهضة الصحافة الوطنية الناشئة.

وحدد تقريرًا رسميًا للأزهر حول جذور التنوير في الأزهر الرائدان العطار وطهطاوي كأهم بناة التطوير والتنوير الأزهري، وقال الدكتور:"أن الشيخ حسن العطار كان سابقًا لعصره، طوافًا في الأرض، زار الشام، والآستانة وأقام بها سنوات، وأفاد من هذه الرحلات، واتسعت آفاق فكره، فعكف على جمع مختلف العلوم العقلية والنقلية.

واتصل الشيخ حسن العطار بعلماء الحملة الفرنسية واستفاد من فنونهم، وكان يتعجب بما وقف عليه من علوم الفرنسيين، ومن كثرة كتبهم وتحريرها وقربها من العقول، وتمنى لمصر نهضة علمية تنهج فيها نهج فرنسا، ومن أهم أقواله " إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها" ولهذا كان أهم دعاة التنوير والتجديد والتطوير في الأزهر.

وولاه الوالي محمد علي تحرير" الوقائع المصرية" فانفتح أمامه المجال للدعوة والإصلاح، ثم ولي التدريس بالأزهر فنادي بالتجديد والتطور ومواكبة العصر ومدنيته، والأخذ بما توصل إليه العلم الحديث وبدأ الشيخ العطار بنفسه في التبحر في الكتب التي لم تكن تدرَّس في الأزهر، جاعلًا من نفسه القدوة في ذلك، فأقبل على كتب التاريخ، والجغرافيا، والطب، والرياضة، والفلك، والأدب، ثم غير نظام التدريس في الأزهر الذي لم يكن يسمح بتدريس هذه الكتب

ودفع "العطار" بتلاميذه المقربين لترغيب الطلاب في تلك العلوم وحينما بدأ الوالي محمد علي نهضته، واحتاج إلى بعض مشايخ الأزهر للتدريس في مدارسه الجديدة، أو لتصحيح الكتب المترجمة، كان تلاميذ العطار أمثال محمد شهاب الدين، وحسن قويدر الخليلي، ومحمد عياد الطنطاوي، وغيرهم، على اهبة الإستعداد لتحمل المسئولية.

وعندما طلب محمد علي في سنة 1242 هـ/ 1826 إلى الشيخ العطار أن ينتخب من علماء الأزهر إماما للبعثة المتجه إلى فرنسا، اختار تلميذه رفاعة الطهطاوي لهذه المهمة وأوصاه بالعناية وتقييد مشاهداته في رحلته هذه، فالشيخ العطار كما قال عنه تلميذه الطهطاوي " مولع بسماع عجائب الأخبار، والاطلاع على غرائب الآثار".

ومن المواقف الشهيرة للشيخ العطار حينما خطب في مدرسة الطب وأشاد بفائدته في تقدم الإنسانية واعتبرت نقطة انطلاق للتعليم الطبي، بل أصبح جل طلاب الطب الأوائل في مصر من الأزهر، وإلى جانب حرصه على العلوم العقلية والحديثة استمر الشيخ العطار في الحفاظ على تدريس العلوم الدينية التي تقوم رسالة الأزهر على حفظها وتعليمها، فكان يعقد مجلسًا لقراءة تفسير البيضاوي، فيتوافد الشيوخ عليه تاركين حلق دروسهم، وذاع صيته عالما مجددا وشيخا بارعا وتولى منصب شيخ الأزهر بعد الإمام أحمد الدمهوجي.

وأما الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي -بحسب تقري الأزهر- والذي سافر ليكون إمامًا للبعثة لا طالبًا من طلابها، وكان قد أوصاه شيخه قبل سفره أن يعني من اللحظة الأولى بتقييد مشاهداته في رحلته هذه، فأعد العدة بينه وبين نفسه على تحصيل العلم والاجتهاد منذ مغادرة أرض مصر، فتزود بعلوم فرنسا، وكان أنبغ أعضاء بعثته، وبعد عودته قدم خلاصة رحلته في مؤلفه " تلخيص الإبريز في تلخيص باريز " إلى أستاذه العطار، والذي قدمه لمحمد علي وقرأه عليه فنالت رضاه، وأمر أن يترجم إلى التركية، وأن تطبع النسختان العربية والتركية في مطبعة بولاق.

وقاد الطهطاوي ثورة تجديد وتنوير ونهضة، فعاش طوال حياته يعلم ويرشد ويوجه، ورأى أنه لا سبيل للارتقاء غير تعليم الناس وتوجيههم إلى الغاية من حياتهم, وعلم تلاميذه كيف يعلمون، وكتابه عن التربية المسمى" المرشد الأمين للبنات والبنين" هو موسوعة للأدب والسلوك والحقوق والواجبات في مجتمع متكامل تسوده الحرية والمساواة ويستوي فيه الناس من الجنسين في الحق والواجب، كما وضح فيه كيفية تربية وتوجيه الطفل، منذ نشأته الأولى وغرسه بالفضائل الخلقية والدينية، كما ناقش قضايا الشباب وطرق حلها، ويضع الشيخ رفاعة التربية الإسلامية السبيل لبناء جيل قوي فتي قادر على تحقيق أمال هذه الأمة، والكتاب في الحقيقة أنموذج لعمل أدبي تربوي من أجمل ما يكون.

ولهذا أضحى الشيخ رفاعة عضوًا دائما "بقومسيون المدارس" وهو المجلس الذي كان ينظر في السياسة العليا للتعليم, ويضع النظم والقوانين والبرامج للمدارس, وكان هو العضو الدائم الوحيد أما بقية الأعضاء فهم نظار المدارس وهم يتغيرون بين الحين والآخر، وكان له جهد مشكور في تنظيم تدريس اللغة العربية ومحاولات طيبة لإصلاح هذا التدريس، فكان يمتحن الشيوخ والفقهاء كل عام ليختبر من بينهم الأكفاء لوظيفة التدريس، وعندما لاحظ أن الكتب التي بين أيدي التلاميذ غير صالحة، ومنها كتب النحو، وأن الكتب الأزهرية القديمة لم تعد تصلح للتدريس في العصر الحديث، وضع كتابًا جديدًا أسماه " التحفة المكتبية في القواعد والأحكام والأًصول النحوية بطريقة مرضية "، حاول فيه تبسيط القواعد النحوية, وجعله في شكل قواعد مختلفة، ليسهل على الطلبة فهمها وحفظها.

كما لاحظ عدم وجود كتاب للمطالعة؛ وضع كتابه الطريف" مباهج الألباب المصرية في مناهج الأدب العصرية"، حاول فيه أن يسد هذا النقص، وحاول فيه لأول مرة أن يبث في نفوس النشء معنى الوطن والوطنية.

ويعد الشيخ رفاعة أول داعية إلى تعليم المرأة في مصر بل وفي الشرق كله, فشارك في لجنة تنظيم التعليم عام 1254 هـ/ 1836، واقترحت اللجنة تعليم البنات في مصر، غير أن الفكرة لم تنفذ لأن المجتمع المصري لم يكن على استعداد وقتذاك لقبول هذه الفكرة، غير أنها تجددت في عهد إسماعيل, وكان رفاعة من أكبر الداعين لها، وتوجت جهوده عام 1289 هـ / 1873، حيث أنشئت أول مدرسة للبنات أنشأتها " جشم آفت هانم " إحدى زوجات الخديوي إسماعيل، وقبل إنشاء المدرسة بعام واحد أخرج رفاعة كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين" وفيه يدعوا للفكرة ويمهد لظهورها.

وتجلت أعظم أثاره كإمام تنوير ونهضة في مجال الترجمة فقد كان الطهطاوي يأمل في إنشاء مدرسة عليا لتعليم اللغات الأجنبية، وإعداد طبقة من المترجمين المجيدين يقومون بترجمة ما تنتفع به الدولة من كتب الغرب، وتقدم باقتراحه إلى الوالي محمد علي ونجح في إقناعه بإنشاء مدرسة للمترجمين عرفت بمدرسة الألسن، ومدة الدراسة بها خمس سنوات، قد تزاد إلى ست.

وافتتحت المدرسة بالقاهرة سنة (1251هـ / 1835م)، وتولى رفاعة نظارتها، وكانت تضم في أول أمرها فصولاً لتدريس اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية والفارسية، إلى جانب الهندسة والجبر والتاريخ والجغرافيا والشريعة الإسلامية. وقد بذل رفاعة جهدًا عظيمًا في إدارته للمدرسة، وكان يعمل فيها عمل أصحاب الرسالات ولا يتقيد بالمواعيد المحددة للدراسة، وربما استمر في درسه ثلاث ساعات أو أربعا دون توقف واقفًا على قدميه دون ملل أو تعب يشرح لهم الأدب والشرائع الإسلامية والغربية.

وقد تخرجت الدفعة الأولى في المدرسة سنة 1255هـ / 1839 وكان عددها عشرين خريجًا، وقد اتسعت المدرسة، فضمت قسمًا لدراسة الإدارة الملكية العمومية سنة1261هـ/1844 لإعداد الموظفين اللازمين للعمل بالإدارة الحكومية، وقسمًا آخر لدراسة الإدارة الزراعية الخصوصية بعد ذلك بعامين، كما ضمت قسمًا أنشئ سنة 1263هـ / 1847 لدراسة الشريعة الإسلامية على مذهب أبي حنيفة النعمان لإعداد القضاة، وأصبحت بذلك مدرسة الألسن أشبه ما تكون بجامعة تضم كليات الآداب والحقوق والتجارة.

وقد مضى رفاعة الطهطاوي في مشروعه التنويري رغم ما تعرض له من متاعب بسبب غضب الحكام عليه ولكنه استمر في مسيرته ووضع أسس النهضة الفكرية التي قامت عليها كل حركات الإصلاح والتنوير التي جاءت بعده.

يذكر أنه عندما أنشأ على باشا مبارك عهد إلى رفاعة برئاسة تحرير "روضة المدارس" وهي مجلة علمية تكتب فيها الأبحاث باللغة العربية، ويعاونه ابنه على بك فهمي رفاعة، وظل رفاعة يتولى رئاسة تحريرها حتى انتقل إلى جوار ربه عام 1290هـ/1873 وتولاها من بعده ابنه.


مواضيع متعلقة