فى المنزل رقم 8 بميدان بيت القاضى بحى الحسين العريق، وفى يوم الاثنين، الحادى عشر من شهر ديسمبر عام 1911، كان ميلاد الطفل النجيب، نجيب محفوظ الأديب الكبير صاحب نوبل والذى مرت أمس ذكرى ميلاده، ومن خلف المشربية الصغيرة بحى الجمالية بدأت علاقته بالحياة من حوله، والمشربية أصدقائى هى نافذة من الخشب، بها ثقوب ونقوش جميلة، كانت تنتشر فى بيوت القاهرة القديمة، تأمل الطفل الصغير نجيب أهل الحى وكأنهم جزء من التاريخ العريق لحى الجمالية القديم الذى كان أحد الأبطال الرئيسيين فى كل رواياته، من خلال ما يقرب من نصف قرن من الزمان، حى الجمالية الذى يرجع تاريخه لأكثر من ألف عام، حين أسس القائد جوهر الصقلى مدينة القاهرة، بأمر من المعز لدين الله الفاطمى، الذى ما يزال أحد شوارع القاهرة يحمل اسمه وتسكنه أروع الآثار الإسلامية، والذى أنشأه بدر الجمالى، أحد القادة الفاطميين، وحمل اسمه ليصبح (حى الجمالية).
مع ذكريات الأستاذ نجيب محفوظ ولمحات من طفولته التى شكلت وجدانه وتركت بصمتها على رواياته، أدعوكم أصدقائى لجولة فى وطننا الحبيب بعيون أديبنا الكبير، فللمكان أهمية خاصة فى حياته.
أول مشاهد الطفولة لأديبنا الكبير كانت بحى الحسين ومساجده العريقة وآثاره الإسلامية، التى كان يزورها مع والدته، التى كانت تصحبه فى ذات الوقت لزيارة الآثار القبطية، خاصة دير (مار جرجس)، فزرعت فى نفسه روح التسامح الجميل ككل الشعب المصرى الذى لم يعرف يوماً التعصب، عن البيت الذى نشأ بين جدرانه يقول أديب نوبل:
بيتنا فى الحسينية كان له سحر خاص، وقد ترك تأثيراً عميقاً فى نفسى، على الرغم من أنه كان بيتاً قديماً وخاليا من وسائل الحياة الحديثة، لم تكن هناك كهرباء، بل مصابيح معلقة فى السقف وكنا نستخدم (لمبة الجاز) وهى لمبة تضاء بالجاز، كنا فى تلك الأيام ندخل المدرسة فى سن كبيرة نسبياً وقد دخلت المدرسة الابتدائية عندما انتقلنا إلى العباسية، وكان عمرى تقريباً تسع سنوات، وكانت أول مدرسة ألتحق بها مدرسة (خليل أغا).
ومن المنزل العتيق لنهر النيل، يأخذنا أديب نوبل لنهر النيل الأصيل، فيقول (النيل هو أحب الأماكن إلى نفسى بعد حى الحسين وكنت أستمتع وأنا صغير بمنظر النيل، عندما أقف مع أمى عند كوبرى أبوالعلا وكوبرى قصر النيل وعندما التحقت بالجامعة، كنت أحب الجلوس على النيل ولا أشعر بالوقت حتى تغرب الشمس وأستمتع بمشاهدتها وهى تودع السماء ويضمها النيل، كنت أشعر أن هناك علاقة صداقة تربطنى بالنيل، فأناجيه أشكو له همومى، أتحاور معه كأنه صديقى الذى يفهمنى، وأحياناً كنت أظل أتأمله من دون كلام فيمنحنى الهدوء وصفاء النفس).
ومع الكتاب رفيق حياة أديب نوبل ومع رحلته مع عالم الحرف والكلمة، يهمس لنا ببداية علاقته بالكتاب والقراءة فيقول:
(بدأت قراءاتى بالروايات البوليسية فى مرحلة الطفولة، فلم يكن هناك وقتها كتب خاصة بالأطفال، لذلك كانت تلك الروايات تمنحنى متعة الخيال والتشويق، بعدها بدأت بقراءة روايات الأديب الرقيق مصطفى لطفى المنفلوطى مثل العبرات، والنظرات وغيرهما.. بعد ذلك انتقلت لمرحلة أعمق على أيدى العمالقة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، والعملاق عباس محمود العقاد، والمفكر الكبير سلامة موسى، والأديب الساخر عبدالقادر المازنى، والأديب محمد حسين هيكل صاحب رواية زينب، والكاتب توفيق الحكيم والكاتب الرائع يحيى حقى، ولم أنس كتب التراث العربى التى جعلتنى أحب اللغة العربية وأتذوقها مثل كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ وغيره والتى ساهمت فى إحساسى باللغة مما أثر على موضوعات التعبير التى كنت أكتبها وكانت تنال إعجاب أساتذة اللغة العربية).
فى ديسمبر عام 1988، نال أديبنا الكبير نجيب محفوظ جائزة نوبل فى الآداب، وترجم أكثر من عشرين عملاً من أعماله لمختلف اللغات الأجنبية، فكان سفيراً لوطنه رسم بكلماته صورة رائعة لمصر ولأهلها الطيبين الذين سكن قلوبهم وما يزال أستاذاً نجيباً محفوظاً فى كل قلب.