قبل «السوشيال ميديا»..الجار للجار: التواصل بـ«أكلة وقعدة بلكونة»

كتب: مها طايع

قبل «السوشيال ميديا»..الجار للجار: التواصل بـ«أكلة وقعدة بلكونة»

قبل «السوشيال ميديا»..الجار للجار: التواصل بـ«أكلة وقعدة بلكونة»

ليست بناية إنما وطن صغير يحتضن سكانه، يُشعرهم بالطمأنينة والأمان، فبداخله الفرح للجميع وكذلك الحزن، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تأثر الباقى، هكذا تذوب الاختلافات وتتلاشى الفروق بين الجيران، الذين يغلق عليهم باب واحد فى المساء حين تستسلم الأبدان للفراش.

{long_qoute_1}

«الجيران لبعضيها»، مقولة كانت دارجة فى وقت مضى، حين كانوا سنداً وحصناً ووثيقة تأمين ضد مخاطر الزمن، تجمعهم صباحاً طبلية واحدة، يلتفون حولها فى حميمية، يتشاركون أطباق الأكل وأكواب الشاى، يتبادلون الآراء بداية من أدق الأسرار وحتى أحوال البلد وظروف المعيشة، ثم ينفضون كل إلى حال سبيله على موعد مجدداً للقاء.

«اتربيت فى بيت الجيران وهما كمان. بنحب بعض وبنخاف على بعض، محدش يبص للتانى فى أى حاجة ولا يقولوا انت فى بيتى ولا كلت من أكلى.. فين الكلام ده دلوقتى؟»، كلمات أعادت على ذهن رجاء حسين شريطاً من الذكريات الحلوة، التى قضتها فى بيت قديم بمنطقة الزاوية الحمراء، لا يغيب عن بالها وقت أن كانت ترغب فى الخروج ليلاً، ولا تجد أحد أشقائها الرجال، فتلجأ لابن الجيران تحتمى به من مغبة الطريق ليلاً: «عمر ما حد قال البنت ماشية مع ابن الجيران، المنطقة كلها عارفة إننا متربيين مع بعض».

تبتسم «رجاء»، صاحبة الستين عاماً، حين تتذكر أطباق الحلوى التى كانت تجوب الشقق بأكملها ويتذوق حلاوتها قاطنوها، خاصة فى المواسم والأعياد: «لو حد عمل أكلة حلوة أو اشترى طبق حلويات لازم العمارة كلها تدوق منه، وقبل العيد ننقش الكحك والبسكوت مع بعض وبرضو نهادى بعض بيه، أيام جميلة راحت مش باقى منها غير شوية صور وذكريات».

يوم الجمعة كان له مذاق خاص لدى مصطفى الشناوى، 55 عاماً، يجتمع سكان البيت صباحاً، يتناولون وجبة الإفطار سوياً، ثم يذهب الرجال لتأدية صلاة الجمعة، وتختلس النساء وقتاً كفيلاً بتغيير حالتهن المزاجية، تبدأ من بعده استعدادات تحضير طعام الغداء معاً.

«ياااااه على أيام زمان» يقولها «مصطفى» متذكراً أجمل أيام حياته فى منطقة باب الشعرية، فقبل 30 عاماً كانت تربطه علاقة قوية بجيرانه، حين يمر بأزمة مالية تنهال عليه المساعدات، ويقبلها دون الشعور بحرج أو خجل: «محدش قالى مرة دى سلف وهترجعها إمتى، ودايماً المليان بيصب على الفاضى».

المساعدة لم تكن مالية فقط، بحسب «مصطفى»، إنما بالمشورة أيضاً حتى «خزين البيت» كان فى متناول الجميع: «لو حد محتاج بصلتين أو شوية ملح معقول ينزل يشترى من السوق وجاره الباب فى وش الباب، اللى محتاج حاجة يدخل ياخدها من مطبخ التانى من غير كسوف».

يفتقد على الديب، 45 عاماً، حياة كان يملؤها الحب والبساطة والألفة فى البيت الذى كان يقطنه فى منطقة باب الشعرية، تجتمع أسرته مع الجيران، يتبادلون الأفراح والأحزان: «لما أمى كانت تروح مشوار وأنا صغير كنت أطلع عند جيرانا، آكل عندهم وأستحمى وألبس». التعاون لم يكن فقط بين جيران البناية الواحدة، إنما فى الشارع بأكمله: «لو حد ماشى فى الشارع وشايف واحدة ست منزله سَبَت، وعايزة تشترى حاجة، لازم يساعدها ويروح يشترى لها بنفسه».

المناسبات كانت لها خصوصية بين الجيران، يتذكرها «الديب»: «لو فيه فرح أو عزا فى البيت الكل يقف يساعد ويحضر، ولما ييجى عريس لأى بنت فى البيت نهادى بيتها أطقم الكوبايات وصوانى الكيك والحلويات، والزغاريد ترن فى البلكونات والأفراح تعم، كنا بنفرح لبعض بجد ونزعل على حزن بعض والتواصل الاجتماعى مش بس بالكلام إنما بالمشاعر والمواقف».

 

على الديب

 

مصطفى الشناوى


مواضيع متعلقة