لم يتغير الحال داخل منطقة العرضى بمدينة الفيوم، ذلك الحى الذى تحوّل إلى سرادق عزاء لم تنتهِ مراسمه بعد، رغم مرور أربعين يوماً على الحادث الذى ألمّ بـ4 أسر من عائلة واحدة يقيمون بأروقة الحى الشعبى ذى الكثافة السكانية، حيث فقدت العائلات القبطية ما يقرب من 27 من أبنائها، وأصيب 36 آخرون، تمكن بعضهم من جبر الكسور والكدمات، لكنهم فشلوا جميعاً فى جبر جراح الأرواح، وألم فراق فلذات الأكباد.[FirstQuote]
داخل بيوت الضحايا الذين لم يفارقهم الأحزان، لا تغيب ذكريات الحادث عن الأذهان، الرداء الأسود لم يفارق النساء، منامات الأطفال لا تخلو من مشاهد الدم، بينما مراد صالح، الرجل الخمسينى الذى فقد والديه وزوجته وأبناءه الثلاثة وشقيقته، يعيش حالة نفسية سيئة، حيث يقضى يومه ما بين عمله كموظف إدارى فى الجامعة، وزيارة قبور الراحلين. منزل العائلة الواقع بشارع البوسطة، الذى يتكون من 4 طوابق، يعرفه جميع سكان المنطقة، بمجرد السؤال عنه لا تخلو الإجابة من الثناء على قاطنيه، سواء الأحياء منهم أو الأموات. بمجرد أن تخطو قدمك عتبة البيت يتواصل الشرح: «الشقة دى كان ساكن فيها عم يوسف فوزى والد مراد ووالدته فرحة يواقيم الله يرحمهم»، بسبابته يشير هانى سعد، أحد الجيران، إلى إحدى شقتين فى الطابق الأول، حيث السكون الممزوج بالظلام، الشقة هجرها قاطنوها إلى قبورهم، ومن بعدهم ظلت خاوية على عروشها، كل من يتردد على البيت كما يقول «هانى»: «يطلب الرحمة للأموات متبوعة بتفويض الله للقصاص من المتسببين فى موت الأبرياء بلا ذنب»، بينما يقيم «مراد» وحيداً فى شقة صغيرة بالطابق الثالث كان يعيش فيها مع زوجته وأبنائه، الآن يقيم داخلها بمفرده مع الذكريات التى تطارده فى كل مكان، بعد ما هجرها أكثر من أسبوع، ففى كل ركن فيها ذكرى خاصة مع الراحلين.
على بُعد عشرات الأمتار من منزل «مراد» يقع منزل منال جرجس، إحدى ضحايا الحادث، ما زالت ترتدى السواد، آثار إصابتها فى الحادث تظهر فى حركة قدمها البطيئة، فقدت والديها وأبناء عمومتها وأبناءهم وأحفادهم على مزلقان دهشور أثناء عودتهم من زفاف حمدى ابن عمها، بينما أصيبت هى مع أفراد أسرتها «زوجها وابنها وابنتها» فى الحادث.[SecondImage]
بنظرات شاردة وبصوت واهن، تتحدث السيدة الأربعينية، تعود بذاكرتها إلى الحادث: «هنحزن على مين ولا مين؟ وهنعيط على مين ولا مين؟ فيه ناس كتير قوى ماتت»، تصمت لبرهة تقطعها بقولها: «هو بعد الأب والأم فيه حاجة تانية هنبكى عليها؟!».
تتهم السيدة المسئولين بوزارة النقل بالإهمال والتسبب فى الكارثة، عن والديها تقول: «بروح لهم المقابر كل جمعة لزيارتهم»، مؤكدة أن الكنيسة هى التى ستتولى تنظيم قداس الأربعين، صباح السبت بكنيسة مارجرجس بالفيوم، وأنهم سوف يذهبون بعدها لزيارة المقابر، وقراءة الترانيم أمام قبورهم.
«أنا بشوف جدو وتيتا فى الحلم وهما متعورين».. هكذا تحدث الابن الأصغر لـ«منال»، أبانوب فؤاد نادر، ذو الـ6 أعوام، عن الحادث الذى كان أحد المصابين فيه.[ThirdImage]
بينما شقيقته الكبرى، فيولا فؤاد، الطالبة بالصف الثانى الثانوى، تعود بذاكرتها إلى ما قبل الحادث، فتروى تفاصيل جلسة أسرية مع جدها وجدتها، يعود توقيتها إلى ما قبل الحادث بأربعة أيام، وقتها قالت الجدة الستينية مداعبة أبناءها وأحفادها: «أنا هموت أنا وجرجس فى يوم واحد»، فى إشارة إلى زوجها جد «فيولا»، التى تقول: «كنا نعتقد أنها تمزح لكن ما قالته حدث بعد أيام معدودة».
الفتاة ذات الـ17 عاماً المصابة بشرخ فى الحوض وبعض الكدمات، تقول إن الاهتمام بهم داخل المستشفى كان نتيجة طبيعية لاهتمام الإعلام بالحادث. المشكلة من وجهة نظرها فى «الحكومة التى تعتبر الإنسان أرخص حاجة عندها، ولا تعترف بأخطائها التى تتكرر، فلم يمر أكثر من عام على حادث قطار أسيوط، ووقع حادث قطار دهشور، ومن الممكن أن يتكرر الحادث فى أى منطقة تانية، فهذا أمر طبيعى طالما الحكومة تكتفى بالتصريحات ولا تعالج السبب فى وقوع الحوادث».[SecondQuote]
من جهته، حمّل الأب فؤاد نادى سمعان، الموظف بمجلس مدينة الفيوم، وزير النقل إبراهيم الدميرى، المسئولية الكاملة عن الحادث، قائلاً: «ما ينفعش بعد 30 يونيو وزير يقعد فى المكتب المكيّف، ويكتفى بالتصريحات الكاذبة بهدف تهدئة الرأى العام فى الشارع»، واصفاً تصريحات الوزير التى أكد فيها أن سائق المينى باص هو الذى اقتحم المزلقان بـ«غير الصحيحة»، مبرراً صدق كلامه بأن المزلقان لم يحدث فيه أى جديد حتى الآن، باستثناء لافتة تعلن عن إنشاء كوبرى علوى ومسح الأتربة المتراكمة فوق الإشارات الضوئية.[ThirdQuote]
«رئيس الوزراء أمر بسرعة صرف تعويضات عاجلة لأسر الضحايا والمصابين، تقوم بصرفها هيئة السكك الحديدية كالتالى: 15 ألف جنيه لأسرة المتوفى، و5 آلاف جنيه للمصاب، بينما محافظة الجيزة أعلنت أنها سوف تصرف 5 آلاف جنيه لأسرة كل متوفى، و2000 جنيه لكل مصاب»، هكذا تحدثت وسائل الإعلام عن التعويضات التى سوف يتم صرفها للضحايا، لكن ما حدث على أرض الواقع مخالف تماماً لما سبق، حسب فؤاد سمعان، أحد الضحايا، موضحاً أن والدىّ زوجته توفيا فى الحادث، وعندما ذهب لصرف التعويضات لهما من محافظة الجيزة، لم يحصل إلا على 300 جنيه فقط لكل فرد تحت مبرر أن أبناءهم متزوجون، بينما المصاب حصل على 2000 جنيه من محافظة الجيزة، وألف ثالثة من محافظة الفيوم، ولم يحدث أن حصل المتوفى على 15 ألفاً، والمصاب على 5 آلاف جنيه، كما كانوا يقولون، و«طلع الكلام ده كله فى النهاية كلام جرائد». مينا رفعت رمزى، طفل صغير، ممتلئ الجسد، يرقد على كرسى متحرك، لإصابته بكسر فى قدمه اليمنى الموضوعة فى الجبس، المشكلة التى يعانى منها «مينا» الطالب بالصف الأول الإعدادى، ليست فى الآلام الناتجة عن إصابة قدمه، بقدر عجزه عن المذاكرة والغياب من المدرسة، خصوصاً مع اقتراب امتحانات نصف العام، والدته تسعى لمعاونته فى مذاكرة دروسه، لكن حضور الامتحانات يمثّل مشكلة له بسبب صعوبة الحركة، تتحدث والدته قائلة: «وكيل الوزارة السابق بالمحافظة كان وعدنا بأنه لا يوجد مشكلة بالنسبة لمينا، وأكد أنهم سوف يشكلون له لجنة خاصة فى البيت، ولكن الأمر اختلف بقدوم وكيل وزارة جديد، طلب منا التقارير الطبية، ولم يرد علينا حتى الآن رغم أن موعد الامتحان اقترب».