الإفتاء توضح خطورة الاستناد لفتوى ماردين لابن تيمية

كتب: سعيد حجازي وعبد الوهاب عيسى

الإفتاء توضح خطورة الاستناد لفتوى ماردين لابن تيمية

الإفتاء توضح خطورة الاستناد لفتوى ماردين لابن تيمية

اشتهرت فتوى ماردين عن ابن تيمية وهي بلدة تقع في جنوب تركيا الحالية، وقد ولد فيها ابن تيمية، وتقع فيها بلدة حَرَّان واستولى عليها التتار في حياته وخرج منها هو وأهله وهو في السابعة من عمره، وكان أهل ماردين مسلمين، واستولى عليهم التتار الذين كانوا يجمعون بين الكفر في نظر ابن تيمية، وهو الذي عاصرهم وعرفهم وبين البغي والعدوان، حيث استولوا على ديار المسلمين وبغوا فيها بأعظم أنواع البغي والفجور، فهي بلد أهله مسلمون والمتغلب عليه ويحكمه غير مسلمين.

وجاء السؤال لابن تيمية لمعرفة حال أهل هذا البلد، وهل يصح وصفهم بالنفاق، وهل تجب عليهم الهجرة، وإذا وجبت عليهم ولم يهاجروا فما حكمهم، وهل تعتبر دارهم دار إسلام؟ ونص الفتوى كالتالي: "مسألة: في بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهي يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟.

ويعد رد ابن تيمية على هذه الفتوى من أهم ما يستند عليه المتطرفين والإرهابيين، وأكدت دار الإفتاء في تقرير لها حول الفتوى أن دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استُحبت ولم تَجِبْ، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع عن ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعيَّنت، ولا يحل سبُّهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم، أما كونها دار حرب أو سلم فهي مُركَّبة فيها المعنيان: ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام؛ لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه".

وأضافت، "لقد وقع اختلال في الفهم من بعض المتشددين حيث تعلقوا بهذه الفتوى دون الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص، ليبينوا فحوى هذه الفتوى ومعناها والسياق الذي قيلت فيه، والذي أدى إلى هذا الاختلال هو عدم الوقوف فضلًا عن الدربة والاستخدام للمنهج العلمي في كيفية توثيق النصوص وفهمها لدى علماء المسلمين، حيث انتقى هؤلاء الأحَداث وغير المتخصصين فتوى ابن تيمية بشكل مُحرف، فحرفوا كلمة: [ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام] بكلمة [ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام]، وبذلك برروا أعمال القتل والعنف والتخريب وترويع الآمنين من المسلمين وغير المسلمين، والصواب من عبارة ابن تيمية ما أثبتناه".

وتابعت، "لا يمكن أبدًا أن تكون فتوى ابن تيمية في حق أهل ماردين سببًا في استباحة دماء المسلمين وأموالهم بمجرد بقائهم في بلادهم تحت سلطة الكفار المتغلبين عليهم، لأن ذلك سيعارض العديد من النصوص التي جاءت بعكس هذا المعني، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» أخرجه البخاري (باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما الذي قتل رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟!» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟!» قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. أخرجه البخاري (باب بعث النبي أسامةَ بن زيد رضي الله عنهما)".

وفي الحديث: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أخرجه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه (باب زيادة الإيمان ونقصانه)، وقال عليه الصلاة والسلام كذلك: «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ «قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» أخرجه مسلم (باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة).

وأكدت الدار:"لقد أجمعت الأمة على أنه يترتب على الشهادتين إسبال وصف الإسلام على الناطق وعصمة دمه وماله، والخروج من الإيمان بجحود وإنكار ما جاء عن الله؛ لأنه رد للشهادتين وجحود بهما، ومما سبق يتبين أن الإقرار بالنطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامه هو الأصل في ثبوت وصف الإسلام للمعين مطلقًا، وهذا حكم شرعي مطلق لا يختص بزمان ولا مكان معين، ماردين أو غيرها كما في السؤال، ولا بحال دون حال إلا إذا تعلق وصف بالمعيَّن على الخصوص يوجب استثناءه من هذا العموم فإن له حكمه الخاص بحسبه هو دون معارضة للقاعدة العامة".

وختمت الدار ردها، "وعليه: لا يجوز أن تكون فتوى ماردين لابن تيمية سندًا لاستباحة دماء الناس وأموالهم، واستباحة دم شخص معين أو ماله من وظيفة المفتي والقاضي، وتقوم السلطات المختصة بتنفيذ ذلك الحكم، ولا يترك بحال لآحاد الناس أو لجماعة من الجماعات وإلا اختل ميزان العدل والشرع".


مواضيع متعلقة