بالفيديو| حسن نافعة: رفض الدستور "كارثة" على البلاد.. والمشكلات الحقيقية ستظهر عند التطبيق
اشتهر بمواقفه الثابتة التي لا تقبل التأويل، جهر بمعارضة نظامين على حياة عينهما ولم يخش في حقٍ رآه لومة لائم، ينتمي إلى مدرسة التحليلات الهادئة وتحري الدقة في الحكم على الأمور.. الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذي تطرق، في حوار مع "الوطن"، لمشروع الدستور الذي ينتظر حكم المصريين عليه بعد أيام، وأكد أن المشروع قدم ما تجاهله نظيره الذي أعدته لجنة غلب عليها الطابع الإخواني، كما كان له العديد من المآخذ عليه، وفيما يلي نص الحوار.
* ما الذي تفرّد به مشروع الدستور الجديد عن سابقيه من الدساتير المصرية؟
- الحقيقة أن هذا الدستور أضاف الكثير مما لم يرد على الإطلاق في كل الدساتير السابقة، ولكن ما يهم المواطن في المقام الأول أن يقارن بين مشروع دستور 2012 والمشروع الذي أعدته لجنة الخمسين، ويمكن أن نسميه بـدستور 2013، فإذا تناولنا باب الحقوق والحريات نجد أنه قدم إضافات مهمة فيما يتعلق بإزالة كل صور التمييز الذي احتوى عليها دستور 2012، فنجد قضية المواطنة ركيزة أساسية من ركائز النظام السياسي في دستور لجنة الخمسين أكثر منه في دستور 2012، وكذلك حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة، ففضلا عن أن هذا الدستور أزال الكثير من الألغام التي احتوى عليها دستور 2012، وخصوصا فيما يتعلق بموضوع الشريعة الإسلامية، بإلغاء المادة 219 التي اعتبرتها الأغلبية الساحقة من المصريين مادة "كارثية"، لأن وجودها كان سيفتح الطريق أمام عمليات التمييز داخل صفوف المسلمين أنفسهم وليس بينهم وبين المسيحيين، وما اعتمده دستور لجنة الخمسين على التفسيرات السابقة للمحكمة الدستورية العليا كمفسر للشريعة كان عملا موفقا، ويضاف إلى ذلك أن دستور 2013 لا يسمح لأي جماعة دينية أو سياسية أن تعطي لنفسها الحق بتقييد حرية المواطنين وتجعل من نفسها سيفا مسلطا على حريات الآخرين، فيما أتاح دستور 2012 لجماعات مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تضبط المواطنين من النساء غير المحجبات أو الأشخاص المخمورين وتطبق عليهم الحد مباشرة، وكل هذه الأمور لم تعد واردة في الدستور الحالي.
كما أن هناك أمر مهم يتعين أن نسلط الضوء عليه، وهو أن هذا المشروع، ولأول مرة في تاريخ الدساتير المصرية، ألزم الحكومة بتخصيص حد أدنى من الموازنة العامة في قطاعات بعينها، وأصبح المشرع ملزما بأن يعتمد ما لا يقل عن 3% من الموازنة للرعاية الصحية، و4% للتعليم و2% للتعليم العالي و1% للبحث العلمي، وهذه بداية لإمكانية زيادة هذه المعدلات تدريجيا حتى تصل إلى المعدلات العالمية.
* من الممكن أن نسلّم بأن الطبقة العاملة هي الأكثر ظلما خلال الفترة الماضية، فهل ضمن لهم مشروع الدستور الجديد ما يحفظ حقوقهم ويضمن لهم الحياة الكريمة؟
ـ هناك ذكر للحد الأدنى للإجور إلى جانب وجود الضمان الاجتماعي لكل المواطنين، إضافة إلى التزام الحكومة بتخفيض البطالة وتقديم فرض عمل للمواطنين، والأهم من ذلك أن الدستور ألزم المشرع بوضع آليات مناسبة لضمان تمثيل ملائم للعمال والفلاحين في المجالس النيابية، فضلا عن اعتماد مبدأ الضرائب التصاعدية التي تحقق فكرة العدالة الاجتماعية، وهذا يصب بدوره في مصلحة العمال.
أريد أيضا أن ألفت الانتباه إلى أن البعض كان يتصور أن نسبة الـ50% من مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين هو مكسب فقدته هذه الطبقة، لكني سعيد أن دستور 2013 لم يعتمد نظام الحصص بشكل عام رغم الضغوط الهائلة لاعتماد نظام المحاصصة لفئات بعينها، ولم ينتبهوا إلى أن إدخال هذا النظام كان سيشكل سابقة خطيرة تهدد المجتمع بأكمله.[FirstQuote]
* تناولنا المميزات التي تضمنها مشروع الدستور، ولكن ماذا عن المآخذ عليه؟
- كنت أتمنى أن يتمكن الدستور من إلغاء تقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية، ورغم اعترافي بأن النص المدرج بخصوص هذه النقطة في الدستور الجديد أفضل من نظيره في دستور 2012، حيث نص الأخير على أن يحال كل من يلحق ضررا بالقوات المسلحة إلى المحاكم العسكرية، وهذا المفهوم مطاط للغاية لأنه من الممكن أن يكون هذا الضرر، بشكل غير مباشر، نفسيا أو معنويا أو أموال القوات المسلحة أو مبانيها أو أشخاصها، وبالتالي فكان يمكن التوسع في عملية تقديم المدنيين للمحاكم العسكرية، أما النص الحالي فكان أكثر تحديدا إذ تحدث عن الاعتداء المباشر من الشخص على مباني القوات المسلحة ومنشآتها وأموالها، لكن ما يثير القلق في هذه المادة أنها لم تحكم الاحتكاك المباشر بين المواطنين وأفراد القوات المسلحة الذين يقومون بوظائف تتعلق بمحطات البنزين وقاعات الحفلات والأفراح وغيرها، ومن الوارد أن تحدث بعض المشكلات في التعامل بين الطرفين في تلك الأماكن، وأخشى أن يفتح هذا الباب أمام تقديم عدد كبير من المدنيين أمام المحاكم العسكرية.
هناك أيضا تحفظات شديدة على طريقة تعيين وزير الدفاع، لأن هذه المادة، التي تحظر على رئيس الجمهورية تعيين وزير الدفاع إلا بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ستجعل السلطة التنفيذية في النظام السياسي المصري، خلال المرحلة الانتقالية والتي ستمتد لـ8 سنوات، سيدار بـ3 رؤوس هم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الدفاع، ولا يوجد مثل هذا في كل أنظمة العالم، وهذا يمكن أن يؤدي إلى أن يصبح وزير الدفاع مركز قوة في السلطة التنفيذية مختلف عن المركز الذي يمثله رئيس الجمهورية والآخر الذي يمثله رئيس الوزراء، وربما يكون الحل في أن يصبح السيسي رئيسا للجمهورية، ويبدو أن هذه المادة كانت خطوة على هذا الطريق، لأن وجوده على رأس السلطة التنفيذية سيجعل من إمكانية التناقض بين الرئيس ووزير الدفاع غير وارد، وسنرى، عند التطبيق، ما إذا كان النظام السياسي قادرا على العمل بهذا النص من عدمه.
- البعض يعترض على مشروع الدستور لتجاهله مناقشة ميزانية القوات المسلحة أمام مجلس النواب، ويعتبرون أنه أعطى للجيش مميزات خاصة تجعله "دولة داخل الدولة"، فكيف ترون ذلك؟
- هذه النقطة بالتحديد كانت موجودة في دستور 2012 ، والميزانية سيتم مناقشتها في مجلس الدفاع الوطني الذي يضم رئيس الجمهورية وأعضاء من مجلس النواب وأطراف من الحكومة إلى جانب شخصيات من القوات المسلحة ، وللأمانة هذا لا يكفي إذا ما قورن بالنهج المعمول به في النظم الديمقراطية، لكن الأوضاع العسكرية في المنطقة حاليا مضطربة، في ظل التغيرات الهائلة التي تمر بها، ما ينعكس على مصر، وربما هذا يبرر ضرورة مراعاة السرية في ميزانية القوات المسلحة، لكن أتفهم أن طموح أي نظام ديمقراطي أن تخضع القوات المسلحة، يوما، لإرادة ممثلي الشعب وتتحول إلى مؤسسة داخل الدولة.
* إذا انتقلنا إلى صلاحيات رئيس الجمهورية، هل كان الدستور متوسعا أم كان مجحفا في تحديد صلاحيات الرئيس، أم كان متوازنا في التعامل معها؟
- دستور 2013 يؤسس لنظام مختلط ولكنه أقرب للرئاسي منه إلى البرلماني، وحاول أن يراعي إعطاء رئيس الحكومة صلاحيات واضحة ليس لرئيس الجمهورية الحق في أن يجور عليها، كما أن هناك نص خطير جدا، تم استحداثه، وهو أن البرلمان يستطيع أن يسقط رئيس الجمهورية، وشقه الإيجابي أنه يمكن أن يكون مخرجا من المأزق الذي شهدته مصر مع رئيس من نوعية الدكتور مرسي مثلا، لكنه أيضا يمكن أن يشكل تعقيدات إضافية إذا أتى رئيس الجمهورية من تيار مختلف عن الذي يسيطر عليه البرلمان، وفي جميع الأحوال لن نستوعب قدرة النظام على العمل بطريقة مرضية إلا عند التطبيق وحين ظهور المشكلات الحقيقية.
* إذن ، كيف يمكننا أن نخرج هذا الدستور من كونه "حبر على ورق" إلى حيز التطبيق العملي وتحقيق الإنجازات على أرض الواقع؟
- البعض يتصور أن الدستور هو نص قابل للتطبيق بذاته، وفي واقع الأمر لن تجد كل المزايا التي ينص عليها الدستور، خاصة في الحقوق السياسية والحريات، طريقها للتنفيذ إلا إذا تمت ترجمتها في قوانين وسياسات وبرامج محددة تتبناها السلطتان التنفيذية والتشريعية، وربما نكتب دستورا جيدا ولا نجد له صدى عند التنفيذ، مثلما حدث في باب الحقوق والحريات بدستور 1971، وهنا يأتي دور المحكمة الدستورية العليا التي يجب أن تضبط عدم تناقض أي قانون مع ما هو منصوص عليه بالدستور، وهنا وجبت الإشارة إلى إحدى المآزق التي عجز الدستور عن حلها، وهو أنه لم يتضمن آلية محددة تلزم الحكومة بإعطاء الفئات المحرومة كامل حقوقها بالدستور، وربما تتعمد السلطة التنفيذية التقليل من نطاق الحقوق المنصوص عليها في الدستور.
* هناك اختلاف كبير داخل الأوساط السياسية حول مسألة ترتيب إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فما هو الحل الأصلح في ظل الظروف الحالية؟
- أعتقد أنني منحاز، بعض الشيء، للانتخابات الرئاسية أولا، لسبب أساسي وجوهري، هو أن مصر في أمس الحاجة إلى وجود رئيس منتخب في أسرع وقت ممكن، وأعتقد أن أي إطالة للمرحلة الانتقالية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية أمر ليس في مصلحة البلاد، بخاصة أن وجود رئيس مؤقت على رأس السلطة التنفيذية يشكك في مشروعيته، خصوصا أن البعض يرى أن ما حدث كان انقلابا وليس ثورة ، فإذا جرت الانتخابات بشكل شفاف ونزيه لا يقبل التشكيك فيه فستنتهي هذه الحجة تماما ويأتي رئيس كامل الشرعية، فضلا عن أهمية هذه الخطوة على الصعيد الدولي لعدم قبول بعض المنظمات الدولية التعامل مع رئيس غير منتخب مثل الاتحاد الإفريقي الذي جمد عضوية مصر لهذا السبب.
وفيما يتعلق بمن يرون أن هذه الخطوة ستؤدي إلى انفراد الرئيس بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، فيمكن أن نقصر أمد الفترة ما بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية دون الإخلال بالإجراءات الضرورية لنزاهة الانتخابات في الحالتين.
إجمالا، بما تنصحون المواطن المصري لحظة وقوفه أمام صندوق الاقتراع للاستفتاء على الدستور؟
- دون تردد ، سأطالبه ببأن يفكر في مستقبل مصر والتحديات التي تواجهها وفيما يمكن أن يحدث لو قال "لا" على الدستور، وهنا ندخل في حلقة مفرغة لا يعلم إلا الله وحده كيف سنخرج منها، لذا يجب أن يدرك المواطن أنه لا يصوت، فقط ، على مضمون الدستور وإنما على مستقبل بلاده، وإذا كان لديه أي اعتراضات أو تحفظات على بعض المواد فمن الممكن أن يتم تعديلها لاحقا، لأن رفضه سيكون كارثة على مصر بكل المقاييس.