في نخب الوطن

كتب: أحمد المصري

في نخب الوطن

في نخب الوطن

في غِمار الدخان الأبيض المُحيط بنا الآن أعترف لكِ بعيونٍ محمرة كالدم أنني .. أُحبك. لكِ أن تسعلي مرتين فأدرك أي محظوظ أنا إذ انغلقت دائرة كينونتي بكِ اليوم واكتملتُ. لكِ أنا تسعلي مرة واحدة فأدرك أن هُناك آخر.. لكن، إذا كان هناك آخر، فلماذا تستقر أصابعك الطويلة الرقيقة في راحتي الآن؟ أليس هو بأحق الناس أن يشاركك رقصتك الأخيرة؟ تُدركين يقينًا أن لا أحد يستنشق كل هذا الدخان ويبقي حيًّا، تُدركين أيضًا أنها ليست إلا بضعة دقائق وتأتي الرصاصة الأخيرة. أين تستقر؟ وإلى أي مدى تنفذ؟ إن ما يُضفي بعض الرومانسية على الموت أن لا يكون قاتلًا في الحال.. وإلا.. متى نبكي يا صغيرة؟ متى تضمينني إليكِ وأنا أرتعد من الخوف فتملسين على شعري وتهمسين أن : ششششششـ .. ؟ متى أهمس بصوت يعلو فوق صوت السرينة لأخبرك بأنني عشقتك صغيرًا .. لطالما تلاعبت ضفيرتاك بروحي المُراهقة يمينًا ويسارًا، لطالما وجدت في عنفوان أنوثتك امرأة أحلامي ومنتهى لذاتي. يمشي كالمسحور مُتشعبطًا في ديل روحها ” .. هكذا وصفوني ولم يخطئوا “ واليوم - اليوم فقط - لسخرية القدر أُريح رأسي التي تزن أطنانًا بفعل انسحاب الروح الرقيق على صدرك. صوت صراخك المُختلط بصوت الرصاص يأتي بعيييدًا عميييييقًا.. لماذا تتوسلين أن أصمد؟ اليوم تنتهي رحلتي يا صغيرة، قد كانت حياة قصيرة بائسة مُنهِكة منذ لحظة المخاض وقد آن أوان العودة لرفيق الرحم العزيز. لكن، كلما تساقط الرفاق من حولك لا تجذعي، لاترتعدي .. اجمدي. كلٌّ منهم له عشيقة ستترمّل صغيرة، واسيهن وذكريهن بأن المجد للأحباء، للشهداء.. وأمانة .. لا تنسي التحرير. هنا ترقُد رفات روح ثائرك الرومانسي الحالم إذا ما هفّت روحك إليه. هُنا سلّط جم غضبه ومقته على من سلبوه حياته. هنا وقف يومًا يتأمل بورتريهات الشهدا على جدران ” محمد محمود ” وتخيل أي صورة ستختارينها له. هنا رقص على صوت الخرطوش وتذوق طعم دمه الصدئ في نخب الوطن.. هنا وجد أسبابه الوجيهة للسعادة ، للحياة .. في مثل هذه الأيام الباردة كالثلج يا صغيرة .. اذكريني وداعبيني عند شهد القبر المزدان بتاريخ فراقك أنكِ قد سعلتي مرة واحدة.