النظام بين مفهومين
النظام بين مفهومين
"الشعب يريد إسقاط النظام" جملة سمعناها كثيرًا على مدار سنوات منذ 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013، وكان نتيجتها إسقاط نظامَي مبارك والإخوان حتى وإن كان ذلك نظريًا لأن ذلك يتوقف على مفهوم النظام ووحدة بنائه وآليات تغييره ونتائجها.
ولكن السؤال الذي أضعه دائمًا أمامي لأجيب عليه هو (من وحدة بناء من ؟) هل الشعب - ممثلا في الموظفين والطلاب والعمال والفلاحين - هو وحدة بناء النظام أم أن النظام هو وحدة بناء الشعب؟
وأجد صعوبة في فهم فكرة أن يكون موظفًا مرتشيًا فاتح الدرج طول اليوم ينزل هاتفًا ضد أي نظام مهما كان مطالبا بمحاربة الفساد لأنه من الأحرى أن يحارب فساد نفسه أولاً وأقيس على ذلك العامل اللي بيمشي في نص اليوم والموظف اللي بيحل كلمات متقاطعة والمدرس الانتهازي ودكتور الجامعة اللي بيمارس سلطة القهر أحيانا والطبيب الانتهازي وغيرها من الأمثلة.
قد تكون هذه الصعوبة بسبب اختلاف مفهوم النظام لديّ عن مفهومهم للنظام، فهم يرون أن النظام هو الحكومة أو هو حفنة المسؤولين الموجودين على الكراسي أو هم حفنة المديرين وأصحاب المناصب الرفيعة فقط.. والمفهوم ده اتأكد في المرتين بعد 25 يناير وبعد 30 يونيو حيث خرج الجميع يهتف بسقوط النظام ثم محتفلا بعد سقوطه ثم عاد لينام، وكأن النظام هو الاشخاص التي أسقطها وكأنه ليس جزءًا من هذا النظام فتوقفت محاربة الفساد وإصلاح النظام عند باب حدوده هو وتصرفاته التي هي وحدة بناء الفساد فلم يكلف نفسه جهدًا في إصلاح فساد نفسه وتقويم سلوكه ومراجعة مبادئه.
الشعب هو وحدة بناء النظام لو عاوزين فعلا إننا نصلح النظام ونقيم دولة متقدمة يبقى لازم نبدأ بنفسنا الأول لأن اللي هيحقق ده مش أي حكومة مهما كان انتماؤها السياسي إن لم نكن قادرين على تغيير أنفسنا بأيدينا لن تستطيع أي حكومة أو أي نظام أن يغير ذلك وسيظل الناس يطالبون بإسقاط كل نظام قادم وسنظل في دوامة "الشعب يريد إسقاط النظام" وسيظل الدافع الحقيقي وراء كل هذا مهما تعددت الأسباب الظاهرية سيبقى الهدف هو الوصول للحكم لا تغيير الدولة وتطويرها فقط الحصول على جزء من تورتة الوطن على حساب أبنائه.
منظوري للنظام أكبر وأشمل من مجرد حكومة أو فكر سياسي يقود البلد أو يحكم سنة ولا اتنين، النظام اللي نفسي فعلاً إن كلنا وأنا أولكم نطبقه ونمشي عليه هو "النظام الرباني" اللي هو أعم وأشمل مليوووون مرة من النظام الوضعي اللي بنتخانق عليه وبننزل نسقطه كل مرة.. والنظام الرباني ده مش محتاج حكومة إسلامية أو حكومة دينية لتطبيقه لأنه نظام ذاتي عند كل واحد فينا، لو فعلاً طبقناه بضمير ومشينا على النظام ده هينصلح حالنا وحال البلد حتى لو حكمتنا حكومة من سيرلانكا ولا من جيبوتي حتى، لأن وقتها مش هيكون دافع العمل أو التقدم هو حكومة مهما كان انتماؤها ولكن سيكون الدافع دافع ذاتي وإقامة لعلاقة قوية بين العبد وخالقه من خلال تطبيق أحكامه على نفسنا قبل ما نطالب بتطبيقها على غيرنا.
النظام الرباني اللي بتكلم عنه نظام نهاني إني أكون بذيء اللسان حتى مع أعدائي أو من يريدون بي سوءًا وأمرني بأن أكون حسن الخلق، نظام نهاني عن الغش والخداع وأمرني بالأمانة والصدق، نظام نهاني عن الإهمال والتواكل وأمرني بالعمل والتوكل وبإتقان العمل، نظام نهاني أن أكون مفسدًا في الأرض وأمرني أن أكون أداة لتعميرها، نظام أمرني أن أعمل عقلي وأنزل أول ما أنزل (اقرأ)... فأين نحن من هذا النظام؟
إننا أمام مفهومين للنظام ويجب عليك أن تختار أيهما تريد حقا، هل تريد النظام الوضعي؟ أم تريد النظام الرباني؟
إذا كنت تريد النظام الوضعي فاستعد لأن النظام السابق لن يكون آخر نظام يسقط وسيكون البديل هو المزيد والمزيد من القمع.
أما إذا كنت تريد النظام الرباني فاعلم أن هذا النظام يبدأ بك أنت ويبدأ بكل فرد، يبدأ باتباع خلق وتعاليم الدين ولا يرتبط أبدًا بحكومة دينية أو حكومة من الملائكة وإنما يبدأ بعلاقتك أنت أولا بهذا الدين وأين أنت من تطبيقه، هل أنت صادق؟ أمين؟ متقن لعملك؟ لا ترضى بالمال الحرام نتيجة عمل لم تقم به على أكمل وجه ؟ هل أنت مستعد للعقاب الشخصي قبل العقاب المجتمعي في حالة تقصيرك؟.
يجب أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نطلب من غيرنا أن يغير نفسه، ويجب أن نتعلم أن نحترم بعضنا البعض وأن نعامل أنفسنا بأخلاق ديننا وأن نعمل بتعاليمه لا أن ننتظر حكومة أو نظامًا وضعيًا ليقوم بالتظاهر بتطبيق تعاليم الدين وهو بعيد عنها كل البعد.
وأخيرًا أود أن اذكر نفسي وأذكركم بهذه الأحاديث.
ففي الحديث الصحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
"ساب المؤمن كالمشرف علي الهلكة". الطبراني في الكبير عن ابن عمرو، وفي صحيح الجامع.
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "ليس علي رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، ومن حلف بملة سوى الإسلام كاذب، فهو كما قال، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله". متفق عليه.
وفي الحديث: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء". أحمد في مسنده والبخاري في الأدب وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود، وفي صحيح الجامع، وقال صحيح وفي الحديث
"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".