في الانتظار

كتب: أحمد عيد

في الانتظار

في الانتظار

لم ألحظها في بادئ الأمر، كنت منشغلا بقراءة الجريدة بدون اهتمام ولكن عقلي انشغل بأمور أخرى، رائحة عطرها الأنثوي الجذاب كانت تملأ المكان بهجة، كانت تجلس على المائدة المقابلة لمائدتي، اقترب مني الجرسون وقال لي: "هل أحضر لك شيئًا؟" طلبت فنجان قهوة على الريحة وطلبت منه أيضًا أن يحضر لي علبة ثقاب لأنني لست ممن يحملون الولاعات أو عيدان الثقاب رغم أنني مدخن شره، عاد الجرسون يحمل صنية نحاسية صفراء عليها فنجان القهوة الذي طلبته وزجاجة مياه معدنية صغيرة، اعتذر مني لنسيانه علبة الثقاب وذهب لكي يأتيني بها قبل أن تبرد قهوتي. ألقت عليّ تحية سريعة وعرضت عليّ أن أستخدم ولاعتها، شكرتها وبالفعل قمت بإشعال سيجارتي، رأيتها تتحرك من على الكرسي التي تجلس عليه واقتربت مني وطلبت الإذن أن تشاركني ساعات الانتظار، لم أعترض ربما فاجأتني جرأتها أو أخذني جمالها، رشفت رشفة من القهوة تبعته بنفس من السيجارة وسألتها عن اسمها، فاجأتني مرة أخرى بردها، وقالت لي هل يشكل اسمي فارقًا بالنسبة لك؟ لم أرد على السؤال لأنني لم أعرف لهكذا سؤال أي إجابة، لم تكتفِ بهذا ولكنها قالت لي يبدو أنك تتمنى وصولك إلى مبتغاك بأقصى سرعة، رأيتك تسأل الجرسون أكتر من مرة عن سبب تأخر القطار، هل هو موعد مهم لهذه الدرجة الذي يجعلك تنظر لساعتك كل بضع ثوان. ما هذه الجرأة الغريبة؟ من هذه المرأة لكي تسألني عني أشياء لا تخصها بتاتًا؟ قررت أن أخرج عن صمتي الذي التزمته مذ جلست معي وقلت لها من أنت؟ هل تعرفيني من قبل؟ قالت لي أنا لم أعرفك أبدًا من قبل ولكني امرأة رأت رجلاً يحمل همومًا كثيرة فأرادت أن تتحدث معه علها تخرجه من أحزانه، لكنني لم أتوسل إليك هذا بل لم أطلبه، ولم تنزل دموعي حتى تحكمي على بالحزن، قالت لي إن أكثر ما يعيبك هو أنك تتحمل كل شيء حتى وإن كانت تنوء عن حمله الجبال ولا تبوح به لأحد حتى تحتفظ بمظهرك القوي أو ربما خوفًا على مشاعر من تحب، ولكن من يكلف نفسه وينظر نظرة عابرة إلى عينيك الجميلتين يرى فيهما حزنًا عميقًا، لن أسألك عن أسبابه فمن منطق الأشياء أنها لا تظل مبهمة كل الوقت ولكن أحيانًا لا يسعفك الوقت لكي تخرج ما بداخلك فيتمكن منك ويصبح عدوًا لك، إياك أن تجعل من حزنك سجنًا لك، تحدث إليّ فأنا فرصة ربما لا تأتيك ثانية. قررت أن أتحدث إليها لكنني لم أعرف دوافع لقراري هذا، ربما كانت محقة، أنا فعلاً كما قالت، وصفت ما بداخلي وكأنها جراح ماهر يجري عملية قلب مفتوح، استخدمت كلمات ناعمة مؤلمة لتعبر عن حالي الذي طالما هربت منه، غيري لن يشعر بألمي مهما كان ما يربطني به، أنت من يجب أن تأخذ القرار، نظرت إليها نظرة محب خجول وقلت لها لماذا تفعلين هذا معي وأنت لا تعرفيني؟ ألم ينتابك بعض الخوف من أن أظن بك ظن السوء؟ غضبت قليلاً وقالت "أنت لست من الرجال الذين يظنون بامرأة ظن سوء، أنت رجل طيب أوقعه القدر في طريقي فقررت أن أهون عليه ساعات الانتظار"، أحسست بخجل من سؤالي ومن ردها المهذب، قالت لي إن كل إنسان له وجهين مختلفين، وجه يتحدث به مع الناس والآخر يتحدث به مع نفسه، أنت مثلاً الآن تفكر بملأ عقلك عن الأسباب التي دعتني أن أتحدث معك وهل كنت مصيبة أم مخطأة فيما وصفت وتتمنى أن تصارحني بأشياء كثيرة من داخلك ولكنك تخجل مني أحيانًا ومن نفسك أحيانا أخرى، أما أنا فامرأة ليس لديها ما تخشاه منك، لم تضرني ولم أضرك، ربما استفدت مني وربما استفدت منك، ووجهك الآخر هو ما تحاول أن تهرب به الآن من حقيقة ما تريدها بشدة إلى أسئلة ليس منها ضر ولا نفع، هذا ما نفعله نحن، دائمًا نرى الحقيقة عندما نختلى بأنفسنا خوفًا منها، نهرب من الواقع إلى الأوهام، فالحلم غالبًا أجمل وألذ من الحقيقة ولكن الأحلام دائمًا ما تنتهي لذتها بمجرد أن نفيق من نومنا، الحقيقة دائمًا نراها في المرايا فقط أم الآن فقد حان موعد قطاري، أرجو ألا أكون أزعجتك بكلامي الثقيل. انصرفت بهدوء قبل أن تنصرف قلت لها هل لي إن أراك مرة أخري فقالت لي "وحده يعلم الله إن كنا سنلتقي ثانية أم لا ولكن إن أردت أن ترى أشخاصًا مثلي فحاول أن تكون بوجه واحد، وقتها ستراني في كل الأشخاص ستراني في المرآة".