مشهد متكرر

كتب: محمد زكريا

مشهد متكرر

مشهد متكرر

"هدوء.. سكوت ودموع".. مشهد يفسر موت أحد الأصدقاء، فلا تسمع غير دموع مكتومة، وحركة رجل تلمس الأرض، فتنكسر ورقات الشجر "الدبلانة".. ها هو تامر، صديقنا ينظر جيدًا وهو يودع صديقه صلاح وعينيه مليئه بالدموع، هل الدنيا فانية كذلك، وينظر في وجوه الحضور واحدًا تلو الآخر، من أتوا المقابر لوداع الفقيد، وفي كل وجهه يأتي بباله السؤال.. متى سيموت هذا وهذا وهذا؟، وكيف؟، وما مدى تأثير ذالك عليه؟.. إلى أن يأتي بنظره على والده المريض، وفي عينيه دموع ضعيفة، بقيت من الزمن. فيقترب تامر من أبيه، ويأخذ بيده ويسير معه، والبرودة تملأ جسده، وينظر لجسد أبيه النحيل متمنيًا لو يكون بقوته؛ ليأخده بحضنه ويسيران، إلى أن يرى أمه تأتي من بعيد، بيدها منديلًا مبللًا بالدموع، فيتذكر دموع أمه التي ستكون أكثر حرارة على والده، بعد أيام قليلة لموته المؤكد.. ويذهبوا جميعًا عائدين إلى البيت، ولكن الأماكن بالسيارة قليلة، ولا يوجد حل غير أن يركبون، في تكدث، بجوار بعضهم البعض، بحيث يركب تامر بالخلف، وأبيه وأمه بجوار السائق، في كرسى صغير لا يسع سوا فردًا واحدًا. ولأول مرة، يشعر الأب والأم بإحساس مختلف.. هل بعدنا عن بعض هكذا؟، لماذا لا نحتك ببعضنا إلا عند الشدائد؟.. وتساءل الأب في نفسه، هل أعطي زوجتي حقها وأعينها على مشاكل وهموم الحياة؟.. فيما تسألت الأم في نفسه،ا هل أعطي زوجي حقه وأعينه على مشاكل الحياة؟.. وقررا الاثنين قرارًا منفردًا، لكنه يحمل نفس المعنى وهو إسعاد الآخر بقية حياته، وتعويضه عن العمر المنقضى!!. وفي الخلف، ينظر تامر إليهما، ويقف نظره على والده، الذي سيموت خلال أيام بسبب المرض الوحشي الذي ينهش في جسده، ويفكر كيف لي أن أسعده ما بقي من حياته؟، ويستطر في التفكير، لا بد أن أجعله يعيش سعيدًا كل لحظة متبقية له، وأعوضه في كبره ما فعله من خير لي في شبابه وصغري. وفي لحظة، خطر ببال تامر سؤال، لماذا لا نسعى لإرضاء وإسعاد بعضنا إلا وقت الضيق؟، أو بعد معرفتنا بقرب خسترة الطرف الآخر؟، لماذا لا نفكر دومًا في إسعاد أحبابنا وأقاربنا رغم أنه التفكير الطبيعي، الذي نتناسه في ظل الغلاء والبطالة ومشاكل الحياة.. لا بد أن نفكر بحياتنا من جديد!!. وهنا اتخذ كل منهم قرارًا بإسعاد الآخر، لكن يأتي قرار الله وحكمته أسرع من قرار الجميع، ويتوفى الوالد بالسيارة، وتنهار الأم ويندم الابن على إضاعته فرصة إرضاء والده!!. وهكذا هي الدنيا، أحداثها أسرع من قرارتنا.. ولا نقرر إلا أذا تألمنا!!.