المغربية عائشة البصري في حوار لـالوطن: واقع المرأة مسيطر على كتاباتي

كتب: إلهام زيدان

المغربية عائشة البصري في حوار لـالوطن: واقع المرأة مسيطر على كتاباتي

المغربية عائشة البصري في حوار لـالوطن: واقع المرأة مسيطر على كتاباتي

قالت الكاتبة والشاعرة المغربية عائشة البصري، الحاصلة مؤخرًا على جائزة أفضل رواية عربية من معرض الشارقة للكتاب، عن روايتها "الحياة من دوني"، إن الجوائز هي نوع من الاعتراف بقيمة ما يكتبه المبدع، كما أنها تسهم في الإقبال على قراءة العمل.

وأضافت "البصري" في حوارها لـ"الوطن"، أنها تناولت موضوع تأثير الحروب على النساء بالرواية كون موضوع هيمنة واقع المرأة على كتاباتها الشعربية والنثرية، لافتة إلى أن حصول "الحياة من دوني" على الجائزة يعني وصول ذلك الصوت الخافت للمرأة المغتصبة في فوضى الحروب، مؤكدة أن بُعد المملكة المغربية عن نقاط الصراع فى العالم، لا ينفي اهتمامها بالمعاناة الإنسانية، كون ألم الحروب هو مشترك إنساني فى المقام الأول:

*حصلتِ على جوائز من قبل، فماذا يعنيه لكِ الفوز بجائزة معرض الشارقة التي حصلتِ عليها مؤخرًا؟ وما الذي تضيفه الجوائز للمبدع؟

*جائزة أفضل رواية عربية للمعرض الدولي للكتاب في الشارقة لها رمزية ثقافية مهمة، فالجائزة تقدم من ثالث أكبر معرض كتاب في العالم وبوابة الانفتاح على الثقافات العالمية.. كما أن منح جائزة إلى مبدع أو مبدعة يشكل تحفيزا نوعيا ملموسا وبغض النظر عما إذا كانت للجائزة قيمة مادية أو لا، فإن الجائزة تعبر عن نوع من الاعتراف بقيمة ما ينتجه المبدع، طبعا هناك حالات نعرفها في تاريخ الأدب وتاريخ الجوائز عندما تمنح جوائز كبيرة فتشكل عائقا أمام تطور مسار الكاتب الفائز، وقد تعطل مساره الإبداعي إلى الأبد، إضافة إلى أن الجوائز تحفِّز أنواعا من القراء على تداول وقراءة العمل الفائز والإقبال عليه أي تتحكم في ذائقة القراء، ومن هنا أهمية أن تتوفر للجوائز لجن أمينة وذات مصداقية، ولها وعي بأن منح هذه الجائزة أو تلك ليس عملا دعائيا أو لعبة إعلامية أو سياسية أو ما شابه.. الأهم بالنسبة لي، أن وصول "الحياة من دوني" إلى هذه الجائزة يعني وصول ذلك الصوت الخافت للمرأة المغتصبة في فوضى الحروب، وهذا كان طموح هذه الرواية منذ البداية.

{left_qoute_1}

*في روايتكِ "الحياة من دوني" الحاصلة على الجائزة ، تناولتِ موضوع معاناة النساء في الحروب، فما هي كواليس اختياركِ للموضوع، خاصة وأن المغرب بلد بعيد إلى حد ما عن هذه النوعية من المشكلات؟

-صحيح أن المغرب، والحمد لله، ظل إلى حد ما بعيدا عن الحروب، وصحيح أن المشترك الثقافي، التاريخي، السياسي والاجتماعي بين المغرب والصين ضعيف، لكن يظل المشترك بين الشعوب هو الألم الإنساني، إضافة إلى أن المغرب يحتضن جالية صينية مهمة ما أعطى مبررا ومجالا أوسع للتخييل، كما أن أي قارئ لتجربتي الشعرية والسردية سيلاحظ هيمنة موضوع واقع المرأة على جل كتاباتي، من هذا المنطلق كان الاختيار إن لم أقل الالتزام بالكتابة عن معاناة المرأة في الحروب، موضوع الرواية هو الذي فرض عليَّ خطا سرديا يركز على الصين وفيتنام في زمن الحرب العالمية الثانية، وهو موضوع اغتصاب النساء في الحروب، هذا الموضوع لا تنقصه مبررات ولا محفزات للكتابة عنه نظرا لما يعرفه العالم في السنوات الأخيرة من حروب وصراعات وما يصلنا كل يوم من أخبار الحرب المرعبة عبر القنوات الفضائية، فقد كنت أتابع برنامجا وثائقيا عن كيف تستقطب الفتيات وتجندن للذهاب إلى سوريا والعراق للجهاد بأجسادهن، وكيف تختطف النساء وتبعن كسبايا، كيف يحدث هذا في القرن الواحد والعشرين؟ شيء مستفز ويدعو للغضب وللكتابة عنه بحثت على الإنترنت عن أسود نقطة في تاريخ النساء في القرن العشرين فكانت النتيجة (مذبحة نانجينغ) أو (اغتصاب نانجينغ) وهي مدينة في شرق الصين عرفت أواخر سنة 1937 أبشع مذبحة وعددا مهولا من حالات الاغتصاب والقتل في وقت قياسي (20000 حالة اغتصاب خلال ستة أسابيع حسب وثائق صينية).. من هذه النقطة بدأت الرواية.

{left_qoute_2}

*كم من الوقت استغرقتيه لكتابة الرواية؟ وهل سافرتِ إلى الأماكن التي كتبتِ عنها في الصين؟

-"الحياة من دوني" كانت اختبارا للمخيلة ولقدرتها على التخيل، وبحثا عن أجوبة لأسئلة تخص عملية الكتابة في حد ذاتها: إلى أي حد يمكن أن تصدق نبوءة الكتابة؟ ولأي مدى تكون المخيلة قادرة على تخيل واقع حقيقي ملموس بعيدا عن الذات الكاتبة؟ كانت الرواية نوعا من التحدي والمراهنة على بناء رواية في فضاءات لا تمت لي بصلة وفي أزمنة بعيدة ولغة صعبة.. وفي فترة حرب عادة نبني الأحداث في أماكن سبق وزرناها لكنني في "الحياة من دوني" فعلت العكس فقد بدأت كتابها سنة 2014 وكان من المفروض أن تنشر قبل روايتي الثانية "حفيدات جريتا جاربو"، وبعد أن أنجزت الكتابة الأولية ظلت حبكة الرواية غبر مقنعة وتفتقد للجانب الروحي الذي يسم الشعب الصيني، ركنت المخطوط جانبا في انتظار دعوة لزيارة الصين، ولم أتوصل بهذه الدعوة إلا بعد سنة لزيارة الأماكن التي تدور فيها الرواية خاصة متحف "ذاكرة الحرب" في مدينة "نانجينغ" حيث توجد الوثائق والصور والمقابر الجماعية الحقيقية.. أظن أن المخيلة نجحت إلى حد كبير في عكس الأحداث والأماكن، فقد فوجئت بأن القرية التي أخذتني إليها المرافقة - لتتبع مسار الأحداث- لا تختلف كثيرا عما رسمته المخيلة، في الرواية تتحدث الساردة عن نهر قرية على ضفاف نهر اليانغتشي وعن جسر يخترق القرية وطريق كان يعبر منه الجنود اليابانيون فوجدت في القرية التي زرتها جسرا وشارعا يسمى لحد الآن "ممر اليابانيين".

* الرواية مرتبطة بأماكن الحرب بين اليابان والصين، إلى أي مدى اعتمدتِ على معلومات تاريخية في الرواية؟

- التاريخ في "الحياة من دوني" هو مادة من بين المواد الأولية للكتابة مثله مثل الذاكرة والحلم والطفولة والصور، لكن الأساس في الرواية هو التخييل.. صحيح أن الرواية تشير إلى عدة أحداث تاريخية كالحرب العالمية الثانية 1937-1945 والغزو الياباني للصين سنة 1937 والحرب الهندوصينية 1946-1954 لكنها تظل مجرد ظلال أو خيط خفيف ومرهف لأن المقصود من الرواية ليس تثبيت أحداث تاريخية عامة إنما الحديث عن مشاعر ومواقف شخصية نتجت عن هذه الأحداث لتصبح الرواية حكاية تلك الأنة الخافتة التي تطلقها امرأة مغتصبة، إلى درجة أنه كان من الممكن أن أستغني عن التواريخ دون أن يختل بناء الرواية، كما كان من الممكن ألا أشير إلى أسماء الأماكن، وتظل حبكة الرواية متماسكة.

* الرواية انطلقت من أحداث الحرب بين اليابان والصين، فلماذا اختتمتِ أحداث الرواية بحادث 11 سبتمبر؟

*الرواية حكاية حربا من الماضي لإدانة حروب الحاضر، وتنتهي بخبر اصطدام طائرتين ببرجي المركز التجاري العالمي بنيويورك تعلنه شاشة تليفزيون لقاعة انتظار في مطار شارل ديجول الفرنسي، لأن حدث 11 سبتمبر 2001 كان بداية لحروب من نوع آخر وبأقنعة أخرى مختلفة عما سبق، لنقل أنه صراع الأديان والذي تأججه الحروب الاقتصادية بين بلدان تقود العالم.. حروب ساحتها بلدان ضعيفة كحروب بالوكالة.

*بطلة "الحياة من دوني" تعاني من غربة ممتدة حتى وهي تمارس خياراتها.. فلماذا؟

*"قوتشين" كانت صبية مفعمة بالحياة، متمردة وثائرة على المجتمع، كانت تتهرب من زيارة المعبد والامتثال للتعاليم البوذية والأسلاف، متمردة على التمييز الجنسي بين الأنثى والذكر في الأسرة، احتجاجها على المعاملة المجحفة لها ولأختها "جين مي" في مقابل معاملة العائلة لأخيها يونغ، مدركة منذ الصبا بأن جسدها برغباته هو ملكها وليس ملكا للمجتمع.. لكن ظروف الحرب ساهمت في تصعيد هذا الغضب وانحراف هذه الرغبات لتخضع في الأخير لقدر رسمته لها الحروب، تمزقت بين دول كثيرة: بين الصين، الفيتنام، فرنسا، والمغرب، تحولت من ديانات مختلفة: البوذية، المسيحية والإسلام، وبين لغات متعددة: الصينية، والفيتنامية، الفرنسية والعربية، هذا التمزق الذي لم يكن من اختيارها هو ما جعلها تعيش غربة داخلية كامرأة لا تنتمي لأحد ولا لمكان.{left_qoute_3}

*ما حكاية صورة غلاف الرواية؟

- صورة الغلاف لها ارتباط بمحتوى الرواية "قوتشين" وفي هروبها من الحروب وترحالها الطويل من الشرق إلى الغرب بحثا عن بلد آمن، سترافقها صورة واحدة بالأبيض والأسود التقطت في استوديو تصوير في مدينة "نانجينغ"، صورة جمعتها مع توأمها "جْيِنْ مَيْ"، تلك الصورة هي ما تبقى لها من أثر لحياتها السابقة.

* هل استطاعت الكاتبة العربية التعبير عن هموم المرأة العربية بشكل أفضل؟ أم أن الرجل هو من يتقدم في هذا المجال؟

* إذا لم ندافع نحن النساء عن حقوقنا الاجتماعية والسياسية فلا أظن أن الرجل سيستطيع فعل ذلك وحده، وإذا لم ندافع نحن الكاتبات عن مشروعنا الثقافي والفكري الذي هو أساس كل تطور فسيظل المجتمع أعرج يتقدم برجل واحدة نحو المستقبل، المجتمع يتكون من رجال ونساء، ولا أحبذ صراعا مفتعلا حول من له أحقية الكلام والتعبير عن هموم المرأة، هناك رجال مفكرون ساهموا بفكرهم وجهدهم في تغيير نظرة المجتمع للمرأة، كما أن هناك نساء حاربن نجاح أخريات أو التزمن الصمت، لا بد من رغبة وإرادة المرأة أولا، لأنها معنية بالدرجة الأولى، الحقوق لا تعطى بل تؤخذ عنوة.

* أين تقف المرأة العربية كاتبة ومبدعة في العموم في مسار التحقق الذاتي والإبداعي؟

- لا أحد يجادل فيما حققته الكاتبة والمبدعة العربية في العقود الأخيرة، ويبدو ذلك جليا في كم الإصدارات والجوائز والتواجد في التظاهرات الثقافية ومساهمتها في إنعاش الساحة الثقافية العربية، لكن هذا غير كاف لا بد من بذل المزيد من الجهد خصوصا في عالمنا العربي، الآن، الذي يعرف تراجعا عن مكتسبات حققتها أجيال في مجال حقوق المرأة مع انتشار التطرف والأفكار الظلامية.


مواضيع متعلقة