المشهد الذي اعتادت عليه ثابتًا منذ سنين لا يتغير.. صوت صافرة القطار القادم من بعيد، قوته وهو يرج الأرض حوله، تهافت الناس على ركوبه.
حفظت المشهد بكل تفاصيله حتى إنها أصبحت تشعر به كحلم مكرر يراود خيالها النائم تبقى على موعد قطارها خمس عشرة دقيقة كاملة.
فكرت في إكمال كتابها الذي تقرأه ولكن ما الحاجة إلى الكتب، وكتاب الحياة مفتوح أمامها.. زحام من البشر يغطي الفضاء حولها، وفي وجه كل منهم درس وحكاية.
"يلا يبني اتأخرنا، خلينا نلحق نحجز تذكرة الرجوع قبل ما نروح المحاضرة".. قطعت الكلمات الراكضة وراء صاحبها حبل أفكارها، يا الله، كم هي بليغة هذه الكلمات التي لم يتسنَ لها رؤية وجه صاحبها، كم هي معبّرة عن واقعنا في محطة الحياة.. نعيش عمرنا ركضًا وراء القطارات، وننزل من قطار لنلحق بآخر ونمضي حياتنا خوفًا من أن يفوتنا أحدها.. نريد ركوبها جميعًا بلا استثناء.. ننتظر قطاراتنا بفارغ الصبر، ثم نركض خلفها بكل ما أوتينا من قوة.
وما بين الركض والانتظار تفوتنا أروع لحظات الحياة، ونبدأ خطواتنا الأولى في هذه الدنيا بقطار التعليم، وقبل أن ننتهي منه نبدأ في انتظار قطار العمل، وما إن نستقر فيه حتى نرنو بنظرنا إلى قطار الزواج، ومن يستطيع ركوبه فسوف يبدأ فورا في حجز تذاكر لأناس آخرين.
وبين التنقل في هذه القطارات لا نلتقط أنفاسنا إلا في الدقائق التي نمضيها على رصيف المحطة.. يا لها من حياة قصيرة تلك التي نعيشها !!!!!!