أشرف مات!!.. متي وكيف حدث هذا؟، في حادث سيارة بالأمس!. لم يعرف أيمن تفاصيلًا أكثر من ذلك، فالصديق المشترك الذي أبلغه الخبر في حالة انهيار تام ولا يقو على الاسترسال. بوغت أيمن، من الصدمة التي تلقاها، ما لفت نظر زملائه المحيطين به في العمل، واتجهوا ليطمئنوا عليه. هدأوا بعض الشئ، حينما علموا من أيمن أن المتوفي زميل دراسة قديم ، وليس من المقربين.
انتقل هدوئهم إلى نفس أيمن سريعًا، فتمالك هو الآخر نفسه على الفور، وإن ساد الجميع أسفًا على الشاب الذي فارق الحياة، قبل إتمام عامه الثلاثين. عاود أيمن، مباشرة عمله مثل باقي زملائه، متناسيًا الأمر نوعًا ما، وإن بدا طوال اليوم أقل بهجة عن المعتاد.
تعمد أيمن ألا يتأخر في العمل، في ذلك اليوم، علي غيرعادته.. أراد أن يرحل في موعد يهئ له الذهاب للعزاء في المساء، دون أن يكون على عجل، فالحدث رغم كل شيء جلل.. إنها المرة الأولى التي يموت فيها شابًا يعرفه جيدًا، وفي سنه تمامًا.[FirstQuote]
عاد الحزن يخيم على نفس أيمن مرة أخرى، فور أن استقل سيارته عائدًا لمنزله، بل وشعر برغبة قوية في البكاء دون أن يذرف دمعة واحدة.. لم يستطع تفسير شعوره جيدًا، صحيح أن أشرف ليس من أصدقائه المقربين، فهو دون شك ليس كأحمد أو معتز بالنسبة له، إلا أنه في النهاية زميل عمر طويل، إن العلاقة بين أيمن وأشرف لم تكن يومًا بالسطحية، التي أوحي بها لزملائه في العمل عند تلقيه الخبر. لقد وصلوا إلى هذا الاستنتاج حين علموا أن أيمن لم يلتقي بأشرف منذ أكثر من عام.
إن ألم الفراق، لا يصل إلى ذروته إلا حينما ننقطع فجأة عمن اعتدنا رؤيته في حياتنا اليومية، فيما عدا ذلك نشعر بشيء من الأسى دون حزن حقيقي.. هكذا شعر زملاء أيمن بالعمل، وهكذا ظن أيمن شخصيًا فعاود عمله في هدوء، حتى استقل سيارته وبدأ يسأل نفسه من المسؤول عن هذا الغياب الطويل؟، هو دون شك!.
أخذ أيمن يسترجع أثناء القيادة، مكالمات أشرف المتباعدة وهو يلومه على غيابه في مرح، مستخدمًا لفظًا نابيًا في عتابه الودود كعادته، طالما اعتذر أيمن لأشرف عن تقصيره في صدق، واعدًا إياه بلقاء قريب.. لم يأتي هذا اللقاء حتى جاء الموت ليجعله مستحيلًا.. كم تلمس أيمن لنفسه الأعذار فيما مضى، متذرعًا بكثرة انشغالاته في عمله ذي الساعات الطويلة، إنه بالكاد يتقابل وأحمد صديق طفولته الحميم، أما معتز صديقه الآخر، فلا يأتي لمصر إلا مرة كل عام، منذ أن انتقل للعمل بالخارج قبل خمس سنوات.[SecondQuote]
الواقع، أن أيمن مسؤولًا عن غيابه عن أصدقائه القدامي.. لقد انسلخ تمامًا في الدائرة المحيطة به داخل العمل، حتى لم يعد لديه فراغ لتوطيد علاقاته القديمة، فترت تلك العلاقات تدريجيًا دون أن يبذل أيمن أي جهد من جانبه للابقاء عليها.. انشغل في الدوران مع عجلة الحياة!.
كان أشرف، مختلفًا عن الجميع، لم يكن من النوع الذي يقبل فتور العلاقات بفعل الزمن، كان يسعى دائمًا لحفظ شعرة من الود عن طريق السؤال عن جميع أصدقاء الدراسة القدامى.. إن أشرف، هو صاحب فكرة جمع دفعة المدرسة في لقاء كبير، كل شهرين أو ثلاثة منذ أكثر من عامين.. للأسف، لم يذهب أيمن إلى أي منها، لا يدر هل تصادف انشغاله كل مرة في أمر ما؟، أم أنه لم يكن يبذل الجهد الكافي ليكون متواجدًا في ذلك اليوم؟، ظنًا منه أن إرجاء اللقاء للمرة التالية سيكون أكثر مواتية.. طالما عاتبه أشرف في مرح، ولكن دون جدوي.. ترى هل كان يشعر بضيق الفترة الباقية له على وجه الأرض، فأراد أن يكون قريبًا من الجميع؟.
الحق أنه كان دومًا، رحمه الله، ودودًا حلو المعشر.. شعر أيمن بغصة في حلقه، حين أدرك أن ذكر أشرف سيقترن، من الآن فصاعدًا، بالدعاء له بالرحمة.. كيف سمح أيمن للأيام أن تباعد بينه وبين أصدقائه على هذا النحو؟، كيف أخذته مشاغل الحياة حتى ظن زملاء عمله أن علاقاته بأشرف سطحية؟ بل وظن هو ذلك أيضًا،
ألم يكن أشرف قرينًا له في لجان الامتحانات طوال سنوات الدراسة الطويلة؟، ألم يتبادلا المعلومات مئات المرات في غفلة من المراقبين؟، ألم يجمعهما نفس الفصل أكثر من مرة؟.
بدأت الذكريات تتوارد على ذهن أيمن شيئًا فشيئًا، ليدرك فجأة بعدًا آخرًا لعلاقته بأشرف.. لقد جمعهما الكثير مما وقع مع الأيام في طي النسيان، تفاصيل صغيرة ليس أقلها أن أشرف هو من احتوى تضاربات مشاعر أيمن في قصة غرامه الأولي أيام المراهقة.. بدا أكثر تفهمًا وأقل سخرية من صديقي أيمن المقربين، اكتشف أيمن حينئذ، عمقًا جديدًا في شخص أشرف، يتواري خلف طبيعته شديدة المرح، والتي تضفي عليه مظهرًا زائفًا بالسطحية.. حقًا لقد كان نعم الصديق، إلا أن أيمن لم يدرك ذلك إلا بعد فوات الآوان.. ترى كم أشرف آخر في حياة أيمن سقط من فرط إهماله؟!.[ThirdQuote]
وصل أيمن، إلى العزاء ليجد الكثير من قدامى الأصدقاء.. كم تمني أشرف كثيرًا انضمام أيمن لهذا الحشد، لم يظن أي منهما أن تلك هي المناسبة التي سيلبي أيمن الدعوة فيها، مناسبة لن يحضرها أشرف!.. بدا الذهول على وجوه الجميع، أما شريف فكان في حالة انهيار تام، تمامًا كما كان عبر الهاتف صباحًا وهو يبلغ أيمن بالخبر.. أمر طبيعي، فشريف هو الأشد قربًا لأشرف، خجل أيمن من نفسه وهو يحمد الله أن الأمر لم يصب أحد صديقيه المقربين، والأمر هو بما يمر به شريف الآن.
اعتاد أيمن منذ التحاقه بالعمل ألا يطيل في العزاء، لقد صار واجبًا متكررًا في حياته، يؤديه كثيرًا في أموات لا يعرفهم، يمتون بصلة بعيدة لأشخاص تربطه بهم علاقات سطحية.. لم يكن هذا هو الحال اليوم، إن أيمن هو الذي يتراجع عن الرحيل، بعد كل مرة يتوقف فيها المقرئ ويقرر المكوث لربع آخر.. استمر علي هذا المنوال حتى انتهى العزاء، رغم كونه من غير المقربين لأشرف، حتى أن أسرة الأخير لا تعرفه جيدًا.
أدرك في النهاية، سر مكوثه الطويل.. يعلم في نفسه أن آخر ما يربطه بأشرف سينتهي فور رحيله من هذا المكان، عقله الباطن يرفض تلك اللحظة.. كيف تتحول العلاقات الإنسانية إلى مجرد ذكرى بين ليلة وضحاها؟!.
أخذ أيمن يتساءل طوال طريق عودته للمنزل.. ترى هل سيفي بوعده لباقي أصدقائه، ويحرص على لقائهم فيما بعد؟، أم تأخذه عجلة الحياة مرة أخرى ليفيق على فقد أشرف جديد؟.. أشرف لا زال لا يدري!.