عامان على وفاة "مالك الحزين".. رحل أصلان وبقيت "ونسته"
يقف الطفل في منتصف سُلم شبه معتم، بأحد المنازل العتيقة بحي الحسين التاريخي، تعلو صيحات الأطفال تجاه الطفل لدعوته اللعب معهم، وهو يتحسس خطواته وسط العتمة، والأم من أعلى ترد على الصبية: "لما بيعلب معاكو بتضربوه"، ويظل الطفل وحتى بعدما صار أديبا يشار إليه بالبنان "إبراهيم أصلان"، تسيطر الظلمة الموحشة على بطء خطواته، في مشهد ظل في خلده، ضمن نسيج ذاكرته البصرية التي سيطرت على كتاباته.
"الحكايات الصغيرة العابرة التي نتبادلها طيلة الوقت، في كل مكان، هي ما يجمع بيننا، وما يبقينا على قيد الحياة"، وحتى وإن لم يبق على قيد الحياة، فحكاياته القصيرة، وروايته الطويلة، ما زلت هنا.. إبراهيم أصلان على قيد الحياة، بإطلالته التي دامت وهو حي واستمرت بعد مماته.
"الونسة" مع قرائه، كانت سببا من أسباب إبداع "أصلان" الذي أثرى المكتبة المصرية والعربية، في أحد حوارته الصحفية قال: "دفء الإنسان المهدد بالذبول"، خطر شاعه للدفاع عن حقه في الاستمرار في الكتابة حتى وفاته المنية قبل عامين في 2012.
"مشغولا بالمهمشين وأنفار اليومية".. هكذا وصف بن حي إمبابة نفسه، الذي انتقل إليه من مدينة طنطا بمحافظة الغربية محل ميلاده في 1935، بعيناه الجاحظتان، وشاربه الكث، ظل يدافع عن أهل المنطقة في كتابته، التي بدأت بمجموعته القصصية "بحيرة المساء"، وانتهت بـ"شيء من هذا القبيل"، مولعا بمنطقته الشعبية "إمبابة" ومسكنه الأول بالكيت كات، الذي رغم مغادرته له إلى حي المقطم، ظل له الحضور الطاغي في كتابته، وأشهرها على الإطلاق "مالك الحزين".
الطفل "أصلان"، كان دائم الهروب من التعليم، مدرسة تلو الأخرى، عسكرية كانت أو داخلية، إلى أن أتيحت له فرصة العمل؛ بسبب نقص العمال بمقر عمل والده بمكتب البريد، ليعمل "بسطجي"، في بداية حياته، بعد أن فقد والده الأمل في تعليمه، ولكن رغبته في المعرفة، أصابته بمحمى الاطلاع والقراءة، حيث انتابت الحيرة والديه، فالطالب الرافض لكتب المدرسة، يقرأ كل ما تطول يداه من كتب أخرى.
ظل الشاب المذعج لعائلته، كما يصف نفسه، يداعب الإبداع، منذ تصادف مروره بجوار مدربه على العمل الجديد، بحي جاردن سيتي، لتوزيع الخطابات، حيث مرت كلماته عن القراءة وأنه لابد أن ينهل منها كل ما يطوله.. وداخل حي "جاردن سيتي"، الذي كان له عظيم الأثر في نفس المبدع، كثيرا ما كان يجلس الشاب البوسطجي بجوار عامل النحاس أمام ورشته لتلبية احتياجه الداخلي من مخذون الذاكرة البصرية، يراقب العامل وطرقات يده على النحاس وتشكيله للعاج ومقعدتها الصاج، ليركن لتلك الذاكره خلال إبداعه.
كان أصلان أكبر إخوته الـ12، لعائلة مستورة، ولم يكن يقلل ذلك من اعتزار عائلات من علية القوم بصداقة أبنائهم للشاب الطموح، الذي بات يشكل ذاكرة إبداعية، وأستاذيه لجيل جديد، رغم اعترافه بالتعلم من نجيب محفوظ ويوسف إدريس، فكان يجلس بحضرة محفوظ في جلسته الأسبوعية بمقهى ريش، ويوسف إدريس بالنسبة له هو القامة في القصة القصيرة، وربطته علاقة جيدة بالأديب الراحل يحيى حقي.
"جيل الغاضبين".. ينتمي إبراهيم أصلان إلى جيل من الروائيين المصريين الذين نشطوا في نهاية الستينيات وحقبة السبعينيات من القرن الماضي، وظهر غضبهم في كتابتهم وتعبيرهم الفني، وبدأت خطواته الأولى تظهر من خلال كتابته الأولى بـ"الثقافة" و"المجلة" وجريدة المساء، والتي نالت إعجاب النقاد.
الإحساس الكامل بالرضى لم يكن ينتاب "أصلان" طيلة حياته رغم ترجمة أعماله لكثير من اللغات، والتي عرفت معارض الكتاب بفرنسا وألمانيا، وتم تحويلها إلى أفلام، على رأسها "الكيت كات" إلا عندما يقرأ من يكتب عنهم من المهمشين والبسطاء في إمبابة.
نفس الجيل الغاضب الذي عاصر ثورة الضباط على الملكية، وخرجت في أعماله، انتمى أيضا أصلان لجيل ثورة أخرى في الخامس والعشرين من يناير، منذ إرهاصاتها الأولى أيد "أصلان" حركة التغيير التي تبناها الدكتور محمد البرادعي، ووافق على مطالب الجمعية الوطنية للتغيير السبعة، ورفض مقابلة مبارك في 2010 في القصر الرئاسي، حتى لا يشارك فيما اعتبره محاولة لتجميل الوجه القبيح لنظام سقط.