منصة الشارقة للأفلام: السينما مفتاح العالم (1- 2)

كتب: الشارقة - رامي عبد الرازق

منصة الشارقة للأفلام: السينما مفتاح العالم (1- 2)

منصة الشارقة للأفلام: السينما مفتاح العالم (1- 2)

في منتصف عام 2015 تم الإعلان بشكل متدرج عن توقف دورات مهرجان أبو ظبي السينمائي بعد سبع دورات ناجحة ومؤثرة وجاذبة للكثير من عشاق السينما والمتخصصين في أدب المشاهدة وفقه التلقي.

وفي عام 2018 وعقب أربع عشرة دورة مميزة تم الإعلان عن تأجيل الدورة الخامسة عشر لمهرجان دبي السينمائي ليصبح كل عامين بدل من كل عام، ليظلل شبح الألغاء تلك المنصة الهامة التي تجاوزت العقد ومنحت الكثيرين من صناع السينما العرب الفرصة للخروج بأعمالهم إلى الشاشات المحلية والدولية واحضرت إلى المتلقي المحلي والمتخصص الدولي شتى ألوان السحر وفنون الدراما البصرية الأميز في العالم.

وفي نفس العام – 2018- أعلنت مؤسسة الشارقة للفنون عن إطلاق منحتها التي تقدر بـ30 ألف دولار لثلاثة مشاريع سينمائية قصيرة – أقل من 50 دقيقة- وذلك ضمن برنامجها المستمر في المساهمة الفعالة والدعم المادي لمختلف مجالات الفنون – والذي بدأ منذ عام 2003 عندما انطلقت المؤسسة – ثم تم الإعلان عن إقامة الدورة الأولى من منصة الشارقة للأفلام (18-26 يناير 2019) لتتجاوز المنحة المساعدة الأنتاجية إلى مساحة العرض المفترضة لأي عمل سينمائي، ولتصبح الإمارات من جديد وجهة العديد من صناع السينما العرب والأجانب ولو بشكل جزئي، ومع مراعاة الفارق بين سياقات مهرجاني أبو ظبي ودبي – اللذين تلعب فيهما السجادة الحمراء وحضور النجوم والفعاليات الاحتفالية الكبرى دورا مهما – وبين السياق (المستقل) عن نماذج تلك المهرجانات الكبرى لصالح منح أكبر عدد من الأفلام فرصة العرض والتنافس على جوائز المنصة والاحتكاك بالجمهور.

قبل ستة أشهر تقريبا من انطلاق المنصة حصل المخرجان الإماريتيان محمد الحمادي وعبدالرحمن المدني على منحة المنصة واستطاعا أن ينهيا عملهمها على فيلمين قصيرين هما "ليمون" للمدني و"مريم" للحمادي وبالفعل تم عرض الفيلمين خلال الافتتاح الهادئ الذي شهد انطلاق المنصة وذلك بسينما سراب المدينة وهي واحدة من أربع شاشات داخل مدينة الشارقة تكفلت بعروض المنصة، حيث استضاف معهد الفنون المسرحية وقاعة إفريقيا وسينما الحمراء برامج العروض الثلاثة والعشرين التي تشكلت منهم الفعاليات الفيلمية.

لمحات نقدية 1

من أهم ميزات منصات عروض الأفلام خاصة عندما يصبح لديها وفرة في الأفلام المحلية أن المتابع يستطيع أن يتلمس الخطوط العامة وسياقات التشابه وبعض النقاط الجينية التي تمنح تلك السينما – حتى لو كانت لا تزال حديثة العهد بالكاميرا والشاشة- أسلوبيتها وصفاتها الواضحة من بين 140 فيلما منحتهم منصة الشارقة للأفلام مساحة العرض على شاشاتها ثمة ما يقرب من 23 فيلما ينتمون بحكم الجنسيات الإنتاجية والجينات الفيلمية إلى ما يمكن أن نطلق عليه سينما الخليج خاصة تلك القادمة من دول الإمارات وعمان والبحرين والسعودية والكويت ودون أن نغفل أيضا العراق.

إن أفلام مثل "ليمون" لعبد الرحمن مدني، و"مريم" لمحمد الحمادي، و"ولادة" لعبد الله الحسن، و"العشرة آلاف" لسيد قاسم على سبيل المثال تعكس صورة مغايرة لتصورات الكثيرين عن المجتمع الخليجي – خاصة خليج النفط- فليس ثمة سيارات فارهة ولا أبراج شاهقة ولا بريق سياحي من أي نوع بل صورة مجتمعية تتسم بالواقعية الخشنة التي تتجاوز مجرد أماكن التصوير – الفريج أو الحي بالدراجة الشعبية الخليجية- والجبال الصلدة والطبيعة الحارة غير الأليفة إلى استخدام عناصر بعض العناصر التمثيلية غير الاحترافية التي تشبه واقعها ومجتمعها وأفكار صناع الأفلام عن هذا الواقع وتلك المجتمعات، أضف إلى كل هذا أن ثمة العديد من الأفلام المشاركة في عروض المنصة والتي تمثل نسبة نموذجية للتعرف على انتاجات السينما الخليجية – خاصة القصيرة- تندمج أشكال الأفلام فيها من ناحية الموضوعات والسرد والصورة وأصول الحكايات مع هموم الواقع وتصورات صناع الأفلام عن مجتمعاتهم كما يرونها من الداخل كما يريدون أن يعبروا عنها أو ما يرون أنه يجب التعبير عنه.

ففي فيلمي الافتتاح "ليمون ومريم" تتمحور السياقات الدرامية حول شخصيات نسوية بالأساس في فئات عمرية مختلفة أحدهما امراة – ليمون- تعاني من أزمة صمت شعوري مع زوجها – قدمت الدور الممثلة الإماراتية المخضرمة هدى الغانم- وكلما حاولت التقرب له يبتعد بحجة أن العمر لم يعد مناسبا لممارسة المشاعر أو كما عبر عنه الفيلم لوضع الليمون الجذاب في حمضيته على الطعام، ما يدفعها إلى التمرد والخروج عن نطاق الدعوة الشعورية إلى الجفاء الحسي والنفسي.

بينما في "مريم" فإن الشابة التي ترغب في ممارسة التمثيل والحصول على منحة للدراسة في الخارج تصطدم برغبة الأم – هدى الغانم مرة أخرى في دور الأم المتسلطة- وكما فعلت الزوجة في ليمون تتمرد الفتاة أيضا وتقرر ممارسة الحلم للنهاية حتى مع وفاة الداعم الأساسي لها وهو الأب، مع ملاحظة أن الدراما هنا رغم نمطية الفكرة إلا أنها حاولت أن تكسر نسبيا فكرة أن الأب هو الرافض بحكم ذكوريته بل هي الأم بحكم تسلطها – شبه القبلي-.

وإلى جانب حضور المرأة كعنصر أساسي ضمن عناصر السياقات الدرامية في الأفلام الخليجية سواء كبطل أو كطرف رئيسي في الصراع – الذي يبتعد عن النمطية العاطفية لصالح طرح اجتماعي واضح- نجد أن الكثير من مخرجي الأفلام الخليجيين يتعاطون بشكل أساسي مع الأطفال كشخصيات رئيسية وكعين للسرد وكعالم خاص وصغير يحتك بحدود عوالم الكبار ويتأثر بها ويؤثر فيها.

يتجلى ذلك في أفلام مثل العشرة آلاف – وهو فيلم سعودي يحكي عن مجموعة أطفال في قرية نائية يعثرون على عملة أجنبية يعتقدون أنها تساوي ثروة ولكنهم في النهاية يكتشفون أنها لا تساوي أكثر من 3 ريالات فقط بعد أن يحلم كل منهم بتحقيق أحلامه – بشراء عجلة أو أكل شوكولاتة – بهذه الثروة المنتظرة.

رغم تواضع مستوى الفيلم نسبيا فيما يخص الإخراج أو النص ككل إلا أنه كفيلم سعودي يعرض واقعا فقيرا يختلف كلية عن التصور السياحي والمادي والفانتازي عن المملكة النفطية البراقة، هنا نحن في مجمع قروي يشبه الكثير من قرى الدول العربية غير النفطية – مثل مصر- بل وبعض دول أوروبا الفقيرة أو حتى الهند، ثمة قصدية واقعية من صناع الفيلم في التعرض لسياقات مجتمعية هامشية لا تزال تعيش في أيام ما قبل النفط كجزء من تمثل حاضر المجتمع الحقيقي وليس المتخيل عنه.

اما في "ولادة" وهو فيلم طويل إنتاج عام 2017 فإنه يعتبر من أفضل الإنتاجات الخليجية خاصة والعربية عامة في فئة الأفلام الطويلة، والغريب أنه لم يأخذ الشهرة النقدية المستحقة التي تليق بعمل جاد، في ولادة الذي يتم روايته من خلال ثلاث وجهات نظر لعائلة واحدة يصبح لوجهة نظر عبوود الابن الصغير فصل خاص بها ضمن فصول الفيلم الثلاثة، بل وتتسم سرديته في هذا الفصل بتماس شديد الوضوح مع طبيعة المجتمع الخليجي الذي لا يزال يحافظ على الكثير من القيم الأسرية والتراثية بعيدا عن الشكل السياحي للعواصم، في الفصل الخاص بعبوود نشاهد تلك العلاقة التفاعلية مع الجد ونلمح ذلك التدرج الدرامي المقصود في التعاطي مع ثلاثة أجيال، الابن والأب والحفيد، ويغوص الحكي عبر عينا الطفل في عوالم الصغار الذين يمثلون لمحة عن المستقبل وكيفية تشكله في ظل حاضر مضطرب بالحرب الجنوبية – مع اليمن- والهوس طفولي بكرة القدم وانخفاض التماس اليومي بين الأجيال الذي من شأنه أن ينقل الخبرات والقيم من الأكبر والأقدم للأصغر والأحدث.

 

عروض أولى.. وعاشرة

من المقرر أن تقدم لجنة التحكيم في ختام فعاليات منصة الشارقة للأفلام – يوم 26 يناير- ثلاث جوائز رئيسة هي: جائزة أفضل فيلم روائي، وأفضل فيلم تجريبي، وأفضل فيلم وثائقي، وتنقسم لجان التحكيم إلى ثلاثة أقسام يمثلون الجانب الأكبر من المشاركات وهم لجنة تحكيم الأفلام الروائية والمكونة من المخرج علي مصطفى، والمخرج والسيناريست كونغ رثيدي، والمخرج غسان سلهب، ولجنة تحكيم الأفلام التجريبية وتضم المخرجة رانيا اسطفان، وستيفن كيرنز، والمخرج كمال الجعفري، ولجنة تحكيم الأفلام الوثائقية المؤلفة من الإعلامية لينا ماتا، والمخرجة جيهان الطاهري، والمخرج مانثيا دياوارا.

ومع كامل تقديرنا للجان التحكيم وكون المؤسسة – الجهة المنظمة للمنصة- قد اهتمت بوجود جوائز للأفلام المشاركة من باب تحقيق قدر أكبر من التنافسية، لكن يظل ثمة ملاحظة تخص ذلك التنوع الغريب وغير المفهوم في اختيارات الأفلام ولا نقصد به العدد الكبير – 140 فيلما- لأن غالبية أفلام المنصة هي أفلام قصير باستثناء بعض التجارب الطويلة مثل المصري زهرة الصبار لهالة القوصي والإماراتي ولادة – وكلاهما أفلام روائية- أو الوثائقي الفلسطيني الأمريكي مساحات الأستثناء لمالك رسماني ومات بيترسون ولكن المقصود تحديدا هو سنوات الإنتاج التي تجعل من أفلام قدمت في سنوات سابقة – بعضها يعود لـ2013 و14 و15- تدخل في تنافس مع ثلاثين فيلما جديدا من إنتاجات 2018 الكثير منها يعرض عالميا وإقليميا ومحليا لأول مرة، إن المنصة لكي تعطي لأصحاب الأفلام والتجارب الجديدة خلال الدورات المقبلة دافعا أكبر للمشاركة وحرصا على التواجد ضمن شاشاتها يجب أن تنتبه للسياق التنافسي الذي يفصل ما بين الفيلم الذي يعرض للمرة الأولى عالميا أو إقليميا وبين الفيلم الذي سبق وإن شارك في العديد من المهرجانات ومنصات العروض بحكم سنة إنتاجه السابقة وعليه فإنه منباب النصيحة يجب أن تأخذ المنصة في اعتبارها أن تفصل بينهم برامجيا لتصبح الأفلام الحديثة والعروض الأولى هي الأولى بالتنافس ضمن المسابقات الثلاث أما الأفلام التي تتجاوز سنوات إنتاجها عامين وأكثر فيكفي عرضها ضمن برنامج بانوراما موسع يمنحها حضورا ويفسح في نفس الوقت للافلام الحدث مساحة التنافس ومضمار الجوائز.

مع الأخذ في الاعتبار أن الخلط ما بين فئات الطويل والقصير في التنافس يسبب نوعا من التشوش وفقدان بوصلة التقييم الصحيحة على اعتبار أن كل منهم ينتمي لنوعية من السينما تختلف شكلا ومضمونا وسياقا عن الآخر، بل إن وجود فرع خاص بالأفلام الطويلة سواء كان مسابقة أو بانوراما يمنح عروض المنصة ثقلا جيدا ويجعل أفئدة من صناع الأفلام تهوي إليهم بل ويمثل عامل جذب جماهيري أيضا لا شك أن تظاهرة وليدة مثل المنصة تحتاجه وبشدة.


مواضيع متعلقة