حينما يتحول الجسد من أسرّة المرض إلى أسرّة العشق.. للمرة الأولى لم أشعر بمشقة وعناء الطريق إليها، فدائمًا ما أبغض يومها وأسئم لمجرد سماع اسمها، فلم أكن يومًا أحمل مرضًا أو أزف لأسرًة المرضى أو أتجول بين أللوان ناصعة البياض.
لم يكن لي عدوًا سواها، وحدها ما تصيبني بالإحباط وقلة الحيلة، وحدها من تطفئ شموع الكون أمامي، فأمامها يتحول لون النيل الأزرق إلى بِركة قاتمة العفن، وتصير السماء شديدة العتمة من شدة الحزن والأرق، والجميع في مشهد صامت مطأطئ الرؤوس لها، وكأنهم ينتظرون تشييع جثماني على أحد أسرتها.
دائما ما يصيبني الفزع من صراخ أمام غرفة الإنعاش لوفاة أحدهم، وأعيد نفس السؤال لنفس الجسد أمام نفس المكان، أما آن لهذا الجسد المريض العليل أن يشفى؟، أما آن للمرح أن يأتي؟، أما آن للكون أن يصفو؟، أما آن لسعادتي أن تزهو؟، ألم تحن لحظة الشفاء؟!.
عام كامل كان كفيل بهتك كل أمراض العالم، ومحو كل موبيقات البشر، واليوم هدأ قلبي وطغت السكينة على مفردات جسدي، وأعلن عقلي الصبر والثبات، وأصر على الشفاء والعلاج، فلا مجال للنوم على أسرّة المرض أو الوقوع تحت سطوة المسكنات والمهدئات، فلن يكون جسدي سوى ما أراد لنفسه أن يكون، سيكون فقط للحب والعشق والعمل والحياة.
فأعلن عقلي شفاءه من كافة أمراضه، قبل أن يعلن طبيبي شفاءه الجسدي، فلم يعد للطب مكان بين أروقتي، فمكتبي لا يتسع سوى لقلمي، وقلبي لا يتسع سوى لعشقي، وجسدي لا يتسع سوى لمتعتي وروحي، لا يتسع سوى لسعادتي وسعادته، ولا أعلم مبررًا لثورتي سوى عشقه، فرفقته تسعدني، وكبريائه يعيدني إلى أنوثتي، ورائحته تثيرني، وحنانه يحولني من قطة شرسة إلى طفلة مطيعة، تتمسح على يديه.. فلا أعلم إن كانت الرفقة تفعل كل هذا، أم أن مشاعري تقودني من جثة حان حصادها، إلى مولود خرج للتو من رحم ولادة متعثرة، يصرخ بحقة في الحياة والوجود، وحقه في خلوه من أمراض الكون بأكملها.