هناك أيام لا تنسى، فقط صورة تذكارية تطبع بمخيلتك وتكسو جدران عقلك وقلبك، ولا تفارقه إلا بمفارقة روحك لجسدك.. لا أعلم لماذا كانت تفضل أن تقف نصف عارية أمام المرآة طويلاً، وتتأمل شيئًا ما ويدور بعقلها أشياء عدة، ولا أخفي أنني حاولت أكثر من مرة سؤالها عن السبب، ولكنها كانت تجيب بإجابات لا تشفي علة ولا تروي ظمأ الفضول بداخلي.
ولكن العمر لا يمر بهذه السهولة، ولابد من تجارب تقوي من عمودك الفقري بعد كسره عدة مرات، بعدها لا تستطيع السير جيدًا ولا تستطيع العدو أيضًا، ولكن تسير ببطئ كأنك تعاني بإعاقة في ظهرك.. هكذا هي الحياة.. طالت المدة وسأمت الانتظار، موعد عرض الفيلم الذي طالما انتظرناه يقترب، ولم يعد متبقي سوى ساعة واحدة، ونحن نعيش بمنطقة الزمالك ودار العرض بالمنيل، والقاهرة تغرق بأمطار، بصق سائقي سيارات الأجرة ودموع أبنائها، وتتحلى بساعات ذروة على مدار اليوم.
اللعنة على الانتظار، يجعلك تفكر دائمًا بأفكار لا يأتي بها غير الشيطان، وهو يحبني ويجد في صديق مخلص أقتنع بأراءه دون مجادلات، أو مناقشات بلا جدوى فأستسلم له بسهولة.. لماذا لم ننجب حتى الآن؟، بعد ثلاثة أشهر ويومان عيد زواجنا الثالث، والمتعارف عليه بمجتمعنا بأن الإنجاب إذا تأخر أكثر من عام، فإن هناك توقعات بنهاية العالم، ولا بد أن ننجب سنجاب يكسوه شعر كثيف في رأسه، يشبه القنفد وبأذن أرنب ومؤخرة قرد.
ولكني لم أخذ وقتي في التفكير، وخرجت -ليلى- لي نصف عارية وأشارت الى ثديها وقالت بنظرة حادة : لم أعد بحاجة اليهم.. هل تريدهم؟، أعرف مزاح ليلى وأعرف جدها.. ماذا بكِ؟، أصبت بسرطان الثدي.. صمت الأرض قبل هبوط سيدنا آدم عليها لا يعلمه الا الله، الآن وقد عرفت حال قلبي؟.. الحديث عن الصبر وقوة الإيمان أحيانًا، في مثل هذه المواقف لا يساعد على تحمل الصدمة، ولم أفكر به حقيقةً ولكن ليلى، هي ليلى لم تدعني احتوي الموقف.
ضعفت.. فبكيت.. فصرخت.. فانهرت.. فوقعت.. أنا أضعف منك في ألمك.. أنا أقرب إليك في حزنك.. تحتوي ليلى كل كائن حي، احتوتني ليلى بمعنى الكلمة الموضعي والمعنوي.. لم أبكي عليها، ولكني بكيت لها، ولكن الرحمة على قدمين تتجسد في أنثى، باتت بعد أشهر بدون الملامح المتعارف عليها، ولكنها بقيت ليلى الأنثى الكاملة في كل شئ عندي.