جزء من رواية "الكاتبة"

كتب: فاطمة ابو حطب

جزء من رواية "الكاتبة"

جزء من رواية "الكاتبة"

مرة واحدة رأت رجلا يبكى، بل يجهش ببكاء حار وبصوت حزين، كان ذلك الرجل أبوها، حينما مات أخوها الذي يكبرها بثلاث سنوات فقط، يومها كانت طفلة صغيرة لم تتعد السابعة، رأته جسدا مسجى ملفوفا بالكتان الأبيض والحرير كأنه عروس، رائحته مسك وعنبر وطيب عتيق رشه شيخ الجامع وهو يقف عند رأس أخيها وهم يغسلونه، يتلو آيات الذكر الحكيم ويرش جسده بذلك الطيب، وأبوها قابع وحده بالركن، يبكى ويبكى، لم تصدق وقتها أن أخاها قد مات. كان يلعب معها الكرة منذ أيام، وأنها ستحرم من ظله الذي تتوارى فيه حينما كانت تسير بجواره، لن يقاسمها حلواها ولا أمنياتها بأن تصبح يمامة بيضاء تطير في السماء، تغرف من لونها الأزرق لتظل ترسم طويلا، لن تسمع ضحكاته وهما يتقافزان ويتسابقان لشراء طلبات البيت والشيكولاتة التي تعشقها، لن تراه يهرع إلى بائع الورد كي يشترى لها الورود الحمراء والبيضاء التي تحبها وتسأله غاضبة، مدبدبة بقدميها: - أين الورود الزرقاء؟ يربت على كتفها ويخبرها: إنه يوما ما سيزرع الورد الأزرق ويجزم أنه سيكون بنفسجيا رائقا. وتظن أنه يسخر منها لكنه يؤكد لها أنه قرأ عن إمكانية حدوث هذا بفعل ما يسمونه الهندسة الوراثية. ولما سألته عن معنى الهندسة الوراثية مط شفتيه في صدق وقال: هكذا قرأتها، صدقيني لا أفهمها أنا أيضا. تقف بعيدة وهى تتابع ما يحدث، والكل في شغل عنها محزونون، حتى أمها تركتها لأيدي نسوة غريبات يتلقفنها بأوامر صارمة ألا تتعدى عتبة البيت، كرهت اللون الأسود حيث ارتبط لديها بالموت وتذكرت كيف كان أخوها يكره الموت، بعد مرضه القصير المفاجئ، شعرت أنها لن تلعب معه مرة أخرى.. قالت في براءة تلومه لا تنقصها القسوة: أرأيت كيف قادك اللعب إلى المرض ثم الموت؟ ستموت وتتركني وحيدة، ألعب بمفردي، سألهو مع ظلي. حينما كبرت ووقعت عيناها على مقال عن" سارتر" استوقفها كثيرا ذلك السؤال الذي سأله أحدهم له وهو على فراش الموت: ترى إلى أين قادك مذهبك؟ حينها أجاب" سارتر"، أما أخوها فلم يسعفه الوقت حتى يجيبها بل زاغ بصره وأسبلت عينيه في وهن، لكن "سارتر" أجاب في أسى عميق ملؤه الندم: إلى هزيمة كاملة. هذا جزء من رواية "الكاتبة" لمؤلفتها أميمة عز الدين والصادرة عن دار الحضارة للنشر.