مصطفى مهندس زراعي، شأنه شأن آلاف المهندسين الزراعيين الذين يتخرجون كل عام، لينضموا لطابور العاطلين.. قرر مصطفى أن يفتح محل لبيع البذور والأسمدة في قريته، لخدمة أهل الناحية بدلًا من النزول للعاصمة، وبارك أبوه الفكرة ودفع إليه بما تبقى من مكافأة المعاش المبكر، التي حصل عليها بعد كارثة الخصخصة، ليبدأ المشوار.. كما باعت أمه ما تبقى في يدها من غوايش، علشان رأس المال مع دعوات الله أن يفتح عليه.
تقدم مصطفى واستأجر محلًا قديمًا مغلقًا، كان في الأساس عجلاتي، وحصل على التراخيص من وزارة الزراعة والحي والتموين والحماية المدنية والضرائب والسجل التجاري، وعشرات الجهات التي أنهكته جسديًا وماديًا، ولا مانع من بعض البقشيش هنا أو هناك.
المهم.. افتتح مصطفى المحل وامتلئت الأرفف بعلب البذور والأسمدة، وبدأ في التسويق والدعاية لمحله، وبدأ الفلاحون يتقاطرون على المحل لشراء احتياجاتهم، وفي غضون شهور بدأت الحياة تبتسم لمصطفى، وأخذ يعيد لابيه بعضًا من المال الذي استدانه في البداية.
وحتى الآن "الدنيا فلة شمعة منورة"، لكن كيف تترك الدولة العميقة أي إنسان في حاله؟ فأي شاب لا يريد أن يعمل في الحكومة، أو صب جام غضبه على الحكومة الفاشلة، لعدم وجود وظائف، فهي تطارد الشباب وتتحين الفرصة للانقضاض عليهم، ففي يوم دخل عليه مفتش تراخيص وسأله: فين المنفاخ؟.. تعجب مصطفى وقال: منفاخ إيه يا باشا؟
المفتش: مش ده محل عجلاتي؟
مصطفى: لا يا فندم أدي الأوراق اللي تثبت إني معايا ترخيص محل بيع تقاوي وأسمدة
المفتش: ماليش دعوة بالأوراق اللي معاك دي، أنا اللي عندي إنه محل عجلاتي
مصطفى: يا فندم أدي الرخصة معتمدة من الحي، وأدي ترخيص الزراعة، ورخصة الدفاع المدني، وكل حاجة مافيش عجلاتي
المفتش: ما تحاولش أنا حاعملك مخالفة وإبقى روح قدم المستندات للمحكمة
مصطفى: ومحكمة ليه يا باشا ما الأوراق أهيه؟
صاح المفتش: إنته حاتعلمني شغلي؟ طيب ليلتك سودة، فين لائحة التسعيرة بتاعة إصلاح العجل؟ وفين لائحة التشغيل المعتمدة من القوى العاملة؟ وفين لائحة تشغيل النساء؟
مصطفى: نساء إيه يا باشا أنا واقف بطولي هنا في المحل ما فيش نساء
المفتش: وكمان بتعترض؟
وأخذ المفتش يكتب محضرًا طويلًا يعدد المخالفات، ثم نظر إليه وقال حايوصلك إعلان الجلسة، ثم غادر وهو كالطاووس، فقد تمكن من القبض على بن لادن!.
مرت عدة أيام وجاء مصطفى إعلان محكمة، فذهب مهرولًا ووقف بين يدي القاضي، وقدم له الأوراق فنظر إليه القاضي وقال: يعني مش عجلاتي؟
صاح مصطفى: يا فندم عجلاتي إيه؟ والمصحف تاجر بذور وأسمدة ومهندس زراعي
نظر القاضي في الأوراق وغمغم: يعنى المفتش بيألف؟ ثم أردف: تحال للمباحث للتحريات
خرج مصطفى من المحكمة يضرب أخماس في أسداس، فقابله أمين الشرطة الذي كان مع المفتش فقال: إيه يا بني مالك مش قدمت الأوراق؟
مصطفى: أيوة وطلبوا التحريات
أمين الشرطة: عمر المباحث ما حاتطلع المفتش غلطان
مصطفى: والحل؟
أمين الشرطة: هات منفاخ عجل وحطه في المحل وخلاص
مصطفى: تفتكر؟
أمين الشرطة: أيوة
أسرع مصطفى يشتري منفاخ عجل ووضعه في المحل، وبعد عدة أيام حضر صول مباحث للمعاينة، وأثبت أن المحل توجد به بذور وأسمدة ومنفاخ عجل.
سأل الصول: المنفاخ ده ليه؟
مصطفى: ده منفاخ البطيخ
الصول: يعني إيه؟
مصطفى: فيه أصناف من البطيخ تحتاج نفخ علشان تكبر، فإحنا بننفخ البطيخ بالمنفاخ ده
هرش الصول رأسه وقال: يعني النشاط مش مخالف؟
مصطفى: فين المخالفة؟ إذا عجلاتي أدي المنفاخ وإذا بذور أدي البطيخ
صاح الصول: خلاص برأة
مع تحياتي للحكومة الرشيدة