حياة بسيطة، قليلة التفاصيل، بين جدران شقة متواضعة تعيش السيدة العجوز أياماً متشابهة، تفضل البقاء ببيتها معظم الوقت، لا تعرف سوى الخروج للعمل أو العلاج أو شراء احتياجات المنزل.
ولكن موقفاً متكرراً أزعج السيدة «طمان محمود مبروك» وأشعرها بالرعب على أولادها الثلاثة، حيث تعيش حياة هادئة بين سكان منطقة «المشروع الأمريكى بحلوان»، وقبل عدة شهور فوجئت بمسيرة إخوانية تهاجم جيرانها وتسبهم بشتائم نابية.
كان هذا الموقف علامة فارقة فى حياة «طمان»، حيث غادرت الطمأنينة نفس الأم العجوز وتملكها القلق على ابنتها «ميرنا»، الطالبة الجامعية الدائمة الخروج من وإلى دراستها، حسب توضيحها؛ «ماكنتش قادرة أنسى الموقف ده، ولما قرب الاستفتا قلت لازم أصوّت عشان الحكومة تقدر تحمينا»، تقول مبررة ذهابها إلى لجنة الاستفتاء بحلوان.
تواضع منشأ وحياة المرأة الخمسينية انعكس على شخصيتها المنعزلة، ولكنها تفتح صندوق أسرار مشاعرها وتقول إنها كانت تذهب لكل انتخابات أو استفتاء بسبب الضغط والخوف من الغرامات أو الملاحقة القانونية، لكن فى هذه المرة كان أمان أولادها والأمل فى توفير العلاج دافعاً محركاً لها، قائلة: «أنا مريضة بالسكر، ورحت الاستفتا عشان ما اروحش ألاقى مفيش أنسولين»، تقولها بملامح غاضبة من النقص المتكرر للعلاج فى الصيدليات. بينما تشير الساعة 9 صباحاً، تسير «طمان» نحو لجنة الاستفتاء وبرفقتها ابنتها «ميرنا»، كان الحنين للفعل يسابق أقدامها: «من 3 شهور مش عارفة أشوف إخواتى فى الإسكندرية وقليوب بسبب التفجيرات والقنابل»، وفقاً لها، معلقة آمالها بتوفير الأمن والعلاج على كلمة «نعم» التى اختارتها فى بطاقة الاستفتاء.
«طمان» تؤكد أنها شاركت فى ثورة 30 يونيو والاستفتاء لإراحة ضميرها: «دلوقتى حاسة الدنيا هديت».. روايات كثيرة تنقلها السيدة القاهرية من طابور السيدات فى لجنة الاستفتاء بحلوان: «ماحدش يعرف حد بس كلنا كنا حاسين ببعض وناس كتير اتكلمت معايا إنها نازلة عشان المعيشة بقت صعبة، وأفتكر واحدة قالت لى أنا جاية عشان محبوسة فى بيتى ونفسى أمشى براحتى زى زمان»، كما قالت.
«10 جنيه دفعناها فى المواصلات عشان أخلى بنتى تصوت»، جملة عفوية تذكرها «طمان» خلال روايتها لتجربة التصويت فى الاستفتاء دفاعاً عن احتياجاتها اليومية؛ «إحنا عايشين فى حتة مقطوعة وقريبة من الجبل وخايفين من الهجوم علينا زى بين السرايات»، حسب قولها.
ولأول مرة تقريباً شاركت «طمان» فى الغناء والتصفيق داخل اللجنة لاإرادياً، معلقة: «همومى اللى رايحة بيها خلتنى أشوف الانتخاب زى العيد أو المولد، قلت دى حاجة كويسة».