يدخل أحمد إلى المنزل، فيلقي بمفاتيح البيت والسيارة وتليفونه المحمول في عصبية واضحة.. يبحث عن أميرة، فيذكر أنها لا تزال بعملها، وهو غير قادر على استجماع أفكاره وصيغها في جمل محددة ومباشرة يواجه بها علاء وأميرة، غير أنه يصر على أنه لا مفر من الحديث بشكل واضح وقوي ومباشر، للحصول على إجابات مقنعة أو نسيان الأمر برمته!.
يأخذ حمامًا سريعًا ليستفيق من هذا الشعور المبهم الخالي من أي انطباعات، الحامل لكل الانطباعات بالغضب والحنق وعدم الارتياح.. يلتقط تليفونه فور خروجه من الحمام، وقبل أن يفتح قفل أزراره ليضغط رقمًا لم يحفظه باسم بعد، ليريح رأسه المجهد ويبثه استفهاماته، يفاجئه جرس التليفون معلنًا المتصل ذات الرقم الذي كان ينوى طابه..
- ألو؟
- ألو.. سلام عليكم ياستاذ أحمد
- أهلًا.. مين معايا؟
- معاك تمام الديناري.. والد علاء
- أهلًا بحضرتك يا حاج
- كان ليا معاك كلمتين.. ساعة زمن لو تسمح
- طبعًا.. حضرتك فـ القاهرة ولا تحب أجيلك؟
- لا أنا هنا ليا كام ساعة.. جايلك مخصوص.. نتقابل بعد ساعة في الحسين؟
- طبعًا.
تريحه المكالمة بعض الشىء، على الأقل هو الآن في طريقه لشخص أقرب للمعلومات منه، قد يكون لديه تفسيرًا مباشرًا لما سمعه من تناقضات طوال اليوم، حتى ولو كان تفسيرًا صادمًا!.. هكذا حدّث نفسه وهو يستعد للنزول، وقبل أن يغادر يتصل بأميرة ليطلب منها ألا تنتظره على الغذاء، لأنه لم ينهي مشاويره بعد.
قبل موعده بعشر دقائق كعادته، يصل أحمد إلى "قهوة الحسين"، ويختار الركن الأبعد عن الضوضاء، ويجلس في الانتظار، بينما يصل رجل تبدو على هيئته الهيبة، غير أنه لا يبدو صعيديًا كلاسيكيًا "من بتوع المسلسلات"، ذوي الجلباب الواسع والصديرى الأبيض والعباءة والعمامة.. فهو يلبس بذلة سوداء أنيقة بلا رابطة عنق، وبيده خاتم فضي يتوسطه فص من العقيق الأصيل، وله شعر وشارب فضيان ناعمان مصففان بمنتهى العناية، ويفوح منه عطرًا فاخرًا قديم الطراز.
يدخل مباشرة إلى أحمد وكأنه يعرفه سلفًا، يجلس إليه وفي محاولة للتقرب منه يعرفه بنفسه، ويتجاذب معه أطراف الحديث لكسر الجليد وإرخاء التوتر قليلًا.. يروي بعض المعلومات التي تتطابق مع روايات علاء عن أصول عائلته، وأعمال والده ونفوذ الأسرة الكبيرة..
- طبعًا حضرتك عارف إني مش جاي أسمع الكلام ده.. إعذرني لو كنت متوتر شوية.
- "عارف يا ولدي.. وأنا جاي عشان أريحك.. أرجوك اسمع مني"
- أنا آسف.. اتفضل
- "اللي قالهولك علاء كله حقيقة مفيش فيه ولا كلمة، إنما مش كله يخصه!"
تبدو أمارات عدم الاستيعاب والاندهاش التام على أحمد
- نعم!
- "علاء مريض يا أستاذ أحمد"
- نعم!
- "ماهينفعش تتقال غير اكده.. إنت راجل متعلم وأنا كمان مش جاهل، وماهذوقلكش حديت ولا ناوي.. علاء جاتله صدمة عصبية عملتله حالة نادرة من ازدواج الشخصية.. ده التشخيص اللي قالوه الدكاترة اللي عاشوا معاه سنتين وزيادة لحد ما ربنا خد بيده".
- نعم!.. أنا آسف.. بس مش مستوعب ومش مصدق بصراحة، علاء شخص متزن جدًا.. أنا مش ساذج علشان ماخدش بالي من حاجة زي دي!.
- "العفو ياولدي محدش يقدر يقول كده.. لكن أن ماقلتش إنه مجنون ولا حد م الحكما قالها.. الحكاية باختصار.. علاء كان له أخ توأم، كان روحه وحياته.. كانوا بني آدم واحد عايش فـ نصين.. علاء طول عمره ناصح وعاقل وهادي والبلد كلها تحلف بيه، و"علي" كان طايش ومشاغب ودايمًا عايز يبان.. الاتنين زي ماتقول كانوا بيكملوا بعض، كان علاء يحب وعلي هو اللي يروح يتكلم ويخرج وينبسط.. وعلاء يذاكر وتطلع عينه وييجي فـ آخر يومين يشرب الدروس لأخوه بمعلقة.. قصره كانوا مش مجرد إخوات.. كل اللي حكاهولك علاء لحد يوم القرافة يخص أخوه.. دي كانت آخر مرة أشوفه فيها".
- على فكرة.. أنا لسه مش فاهم أي حاجة.. وعلاء إيه علاقته بكل ده؟ وليه حكالنا بصفته صاحب الحكاية؟
- علي مات يا أستاذ أحمد.. خد رصاصتين غدر فـ ضهره وهو بيلف وراجع البلد، بعد ما سمع صوت الآلي والقنابل اللي مغطية الجبل.. بعد الحادثة دي علاء جاله انهيار عصبي ودخل في حالة شبه الغيبوبة، أكتر من تلات شهور، فاق منها وهو مُصر إنه علي ماماتش وإنه هو "علي" وعلاء ده مالوش وجود.. الدكاترة قالوا إن دي حالة نادرة من الفصام، وقعدوا يرطنوا ييجي ست أشهر بكلام مطلعناش منه إلا بإننا لو عملنا أي محاولة مش محسوبة إننا نصدمه بالحقيقة.. يمكن نفقده هو التاني".
- ليه قال إنه ساب الكلية بعد سنة أولى مش سنة تانية؟
- "لأن علي ساب الكلية وطلع الجبل بسبب حكاية الخلاف اللي كان بيني وبينه بعد سنة أولى.. وبالمناسبة الله يرحمه كان هندسة برضك.. كان غاوي طيران!"
- وحكاية الجيش؟
- "بعد أكتر من سنتين مهدئات وأدوية وسفر بلاد برة ودكاترة على كل شكل، الحكما قدروا يوصلوه لحاجة اسمها ذاكرة انتقائية، قدر العلاج يخليه فاكر إن الحكاية دي كلها حصلتله هو وانتهت.. واتفقنا نقول حكاية الجيش دي عشان العمال والموظفين والناس اللي حدانا مايعرفوش حاجة.. ولما حب يبعد عن البلد مارضيش ياخد مصروف ويعيش مرتاح زي العالم و الناس.. كان عندي استعداد أعمل أي حاجة بس مافقدوش زي أخوه.. وافقته وشغلته في البنزينة وهو ماهيعرفش إنها تبع مالنا، لأنه مايعرفش حاجة عن مالنا م الأصل.. قلت أهو منه يبقى تحت عيننا ومنه يتعب ويشقى يمكن يزهق ويسمع حديتنا".
- أنا مش مستوعب.. وهو دلوقتي حالته إيه بالظبط؟
- "كيف ماوعيتله، صاغ سليم، العلم اتقدم فـ الحاجات دي لدرجة عمري ما اتخيلتها.. هو دلوك عايش وكأن دي حكاية وانتهت.. ودي آخر حاجة قدروا الدكاترة يعملوهاله.. بس للأمانة وانت ممكن تسأل وتعرف.. هو ممكن يجيله نوبات اكتئاب على فترات بعيدة، مجاتلوش من حوالي سنة دلوك.. ينزوي وينعزل ويبكي من غير سبب كام يوم والأدوية بتطلعه منها كان لم تكن.. ده كل اللي عندى يا ولدي وده كارت الدكتور اللي تابع حالته طول فترة العلاج ولحد النهاردة".
يناوله بطاقة يضعها أحمد في جيب قميصه، بدون أن يقع نظره عليها، وكل ما فيه لا ينبىء إلا بالذهول.
- "أنا قلتلك كل حاجة بصراحة لأني عرفت إن الموضوع دخل في الجد وإنك سألت عليه فـ البنزينة.. الله لا يسيئك يا ولدي.. فكر زين واسال الدكتور بتاعه قبل أي شىء.. أنا فقدت ابني بسبب إني كسرت قلبه.. مش عايز علاء كمان ينكسر قلبه".
- ربنا يقدم اللي فيه الخير
يصافحه ويخرج من المقهى مبتعدًا في حالة تشبه اللا وعي.. تدور برأسه فكرة وحيدة.. أميرة.. كم هي مسكينة!.
الحلقات السابقة"الباحثات عن الحنية 1".. أميرةالباحثات عن الحنية (2).. عينا رجلالباحثات عن الحنية (3).. "لما جت عينك ف عيني"الباحثات عن الحنية (4).. جرالي إيهالباحثات عن الحنية (5).. نكد السنينالباحثات عن الحنية (6).. اليوم عادالباحثات عن الحنية (7).. أحمد والمفاجآت