التعاون الثقافى بين مصر والكويت.. «عمق وأصالة وريادة»

كتب: الكويت - خاص

التعاون الثقافى بين مصر والكويت.. «عمق وأصالة وريادة»

التعاون الثقافى بين مصر والكويت.. «عمق وأصالة وريادة»

فى إطار الاحتفالات التى تشهدها الكويت بأعيادها الوطنية، ممثلة فى العيد الوطنى الـ58، وعيد التحرير الـ28، يحلو لأبناء الكويت دائماً أن يذكروا بكل الفخر جانباً مهماً ورئيسياً من ملامح العلاقات الأخوية المتميزة مع مصر، وهو الجانب الثقافى، فقد كانت العلاقات الثقافية هى الرافد الأول، الذى ارتوى منه النهر المتدفّق للعلاقات القائمة بينهما، وعبر هذا الرافد تشكلت فروع عديدة تحمل الخير والنماء، وتحقق الصالح العام، وترسّخ الطابع المشترك لشعبى البلدين.

ففى القرن الـ19، كان عدد من أبناء الكويت يتطلعون إلى مصر وأزهرها الشريف، متمنين الوصول إليها والالتحاق بهذه القلعة العلمية العريقة، وتحفظ الوثائق اسم أول طالب كويتى وصل إلى مصر، وهو الشيخ عيسى بن علوى، وتشير إلى أنه جاء إلى مصر، ودرس الطب، وعاش فيها حتى مات عام 1863. تلا ذلك عدد من الرواد الأوائل، من بينهم الشيخ أحمد بن محمد الفارسى، الذى وصل إلى مصر 1864، وغادرها 1872، حيث أعانه أحد رجال الكويت، فأكمل دراسته فيها، وعاد إلى الكويت، وهو يحمل علماً غزيراً.

زيارة فارقة

وارتفع عدد الدارسين فى مصر مع بداية القرن العشرين، ففى أوائل هذا القرن استقبلت الكويت مجموعة من العلماء المصريين، كان فى مقدمتهم الشيخ محمد رشيد رضا، وكان لزيارته الأثر العظيم على الكويت وأهلها، وبدأ اهتمام أهل الكويت بالصحافة والمجلات المصرية بصفة خاصة، فاشتركوا فى عدد منها، وكانت زاداً ثقافياً رئيسياً لهم فى تلك الفترة، وكان مؤرخ الكويت المشهور عبدالعزيز الرشيد ينشر مقالاته فى مجلة «الشورى»، وعدد من المجلات المصرية الأخرى الرائجة فى تلك الفترة.

{long_qoute_1}

أما أول بعثة رسمية تعليمية كويتية، فقد وصلت إلى مصر عام 1939، وضمّت عدداً من أبرز شخصيات الكويت فى ما بعد، منهم الأديب عبدالعزيز حسين، والشاعر أحمد مشارى العدوانى، مؤلف النشيد الوطنى للكويت، والعلامة يوسف مشارى البدر، والشيخ يوسف عبداللطيف العمر، وهو أول وكيل للمعهد الدينى بالكويت.

ووصلت البعثة بعد رحلة مضنية إلى القاهرة، استمرت 22 يوماً -كما تؤكد وثائق تلك الفترة- وكانت إطلالة مهمة هائلة على عالم آخر، عالم المدن الكبيرة، والطرق المرصوفة، والعمارات الضخمة الأنيقة، والخضرة الكثيفة والنيل العظيم، وكان اسم الأزهر الشريف يبعث فيهم مشاعر متفاوتة من العظمة والرهبة، واتصل هؤلاء الشباب بجو القاهرة الثقافى فى مقر العمالقة الكبار طه حسين، وأحمد أمين، وأحمد حسن الزيات، ومن خلالهم تابعوا الحركة السياسية، وقضايا المجتمع المصرى، سواء بسواء.

بيت الكويت

وتواكباً مع نمو العلاقات بين الكويت ومصر على المستوى الثقافى، اقترح الأديب عبدالعزيز حسين إنشاء بيت للكويت بمصر، وكان نواة لسفارة الكويت فى مصر بعد ذلك، كما اقترح أن تستمد المناهج الكويتية أصولها من المناهج المصرية المتطوّرة، فى تلك الفترة، كما شجّع على الاستعانة بالمدرسين المصريين، لمواجهة نقص المدرسين الكويتيين فى المواد الدراسية المختلفة.

وفى عام 1958، تم شراء أرض فى منطقة الدقى بُنى عليها «بيت الكويت»، وحرص الرئيس جمال عبدالناصر على حضور مراسم افتتاحه، بصحبة أعضاء بمجلس قيادة الثورة، وفى مقدمتهم عبدالحكيم عامر، وزكريا محيى الدين وحسين الشافعى، وعبداللطيف البغدادى، وحسن إبراهيم، وأنور السادات، وكان على رأس المستقبلين رئيس دائرة المعارف الكويتية الشيخ عبدالله الجابر الصباح، بصحبة الشيخ سعد العبد، وهو أمر لم يحدث لأى بعثة دبلوماسية أو طلابية من قبل، مما يؤكد خصوصية علاقات البلدين منذ انطلاقتها.

وفى ظل هذه الخصوصية، لم يكن غريباً أن تستعين الكويت بالكوادر المصرية فى إدارة منشآتها التعليمية، فقد تقلد منصب مدير المعارف فى الكويت عدد من المصريين، من بينهم الأستاذ على هيكل، والأستاذ طه السويفى، وعندما أنشئ المعهد الدينى فى الكويت عام 1947، قرّرت مصر تزويده بعدد من علماء الأزهر الشريف، وتبنّى الأزهر هذا المعهد، وتعهده بالرعاية الكاملة، فأمده بالمشايخ والمناهج الدراسية، والمدرسين، واعترف بشهادته، وكانت الأسئلة الخاصة بالامتحانات تأتى من الأزهر فى نهاية كل فصل دراسى، وكان رئيس المعهد هو رئيس البعثة الأزهرية بالكويت.

{long_qoute_2}

أمهات الكتب

وفى مجال التعليم الفنى والمهنى، تم استقدام خبراء مصريين من بينهم الأستاذ برهان كمال، والدكتور على صافى، وتم اقتراح إنشاء الكلية الصناعية، وعُيّن المهندس صادق جلال مشرفاً إدارياً، وعند بدء الدراسة عُيّن المهندس محمد عبدالعزيز ندا مديراً لها، وبدأت وفود المدرسين المصريين تتزايد فى الكلية. وكانت مصر هى المصدر الرئيسى للكتب والأدوات المدرسية لتفعيل ذلك الحراك الثقافى والعلمى الضخم فى تلك الأيام، وكانت ترسلها دون مقابل، بهدف دعم حركة التعليم فى الكويت.

مجلة «العربى».. جسر التواصل

مثّلت مجلة «العربى» إحدى صور التميّز فى العلاقات الثقافية بين مصر والكويت، لذا لم يكن غريباً أن تشهد القاهرة أواسط ديسمبر الماضى، احتفالية كبيرة بمناسبة الذكرى الـ60 لصدور المجلة، التى تُوصف بحق بأنها إحدى أبرز المنارات الفكرية التى عرفها الوطن العربى عبر تاريخه، والتى صدرت لأول مرة فى ديسمبر 1958 برئاسة تحرير العلامة المصرى أحمد زكى.

ولا شك أن اختيار القاهرة لاحتضان هذا الاحتفال لم يأتِ عبثاً، إنما جاء انطلاقاً من رؤية ثاقبة تعبّر عن المكانة المركزية المهمة التى تحظى بها مصر فى وجدان الكويتيين قاطبة، ودلالة على الدور الذى تقوم به مجلة «العربى» كجسر للتواصل بين الشعوب العربية، والسعى لتطويرها وتكريس دورها التنويرى فى هذا التوقيت المهم، الذى يشهد تحديات ضخمة، وتشتد فيه الحاجة إلى رافد ثقافى مؤثر تجتمع عليه الأمة، ليعيد إليها الثقة فى الحاضر والمستقبل، ويناقش الأسئلة الصعبة المطروحة على ساحة الفكر العربى فى الوقت الراهن. وشارك فى هذه التظاهرة التى أقيمت بقاعة الاحتفالات بسفارة دولة الكويت بالقاهرة، لفيف من المسئولين والدبلوماسيين ورجال الفكر والثقافة فى مصر والكويت، تقدّمهم وزير الإعلام الكويتى وزير الدولة لشئون الشباب محمد الجبرى، ووزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم، ورئيس مجلس أمناء مكتبة الإسكندرية الدكتور مصطفى الفقى، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وعدد من الوزراء السابقين والحاليين، وكبار المسئولين عن النشاط الثقافى فى البلدين، وكان فى استقبالهم سفير دولة الكويت بالقاهرة محمد صالح الذويخ.

سجل تاريخى

ومنذ صدورها وهى تسهم فى دفع الحلم القومى الذى كانت أصدق تمثيل له، ففى ذلك العام من أواخر خمسينات القرن الماضى، كانت حركات التحرّر العربى فى أوجّها، والوحدة المصرية - السورية فى أول عهدها، والشعب الجزائرى يخوض نضاله ضد المحتل، وبدا أن إصدار مجلة عربية جامعة تصدر فى الكويت، وتجتاز كل الحدود العربية وتسمو بنفسها عن الخلافات السياسية والفكرية الضيّقة، يمثل نقلة نوعية فى المفهوم الثقافى العربى، فقد كانت الكويت فى هذا الوقت لا تزال مرتبطة بمعاهدة الحماية البريطانية، وقد قيّض الله لها ثلة من الرواد فى عهد أميرها الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، ليُقدّموا هدية للأمة العربية، تشبع احتياجات الصحافة الثقافية العربية لمثل ذلك النوع من المجلات، بعد أن اختفت مجلات كان لها وزنها الأدبى والعلمى، مثل الرسالة والثقافة فى مصر.

{long_qoute_3}

خدمة قومية

وقد وُضعت الخطوط العريضة لهذه المجلة، وتحدّد دورها من خلال الموضوعات التى نصّ عليها قرار إنشائها، الذى صدر كوثيقة رسمية صادرة عن دائرة المطبوعات ونشرته الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» بتاريخ 30 مارس 1958. وتواصلت رسالة مجلة «العربى» عبر مسيرة طويلة تمكنت من خلالها من أحداث حالة ثقافية نشطة فى الوطن العربى، وكان الشباب فى كل مكان ينتظرون اليوم الأول من كل شهر، ليحصلوا على نسختهم من المجلة التى كانت -ولا تزال- تُباع بسعر رمزى يكاد يغطى 10% من نفقات الطباعة والتحرير.

أوراق الاعتماد

وسارت على هذا النهج كذلك سلسلة «عالم الفكر»، وسلسلة «عالم المعرفة»، و«الثقافة العالمية»، و«المسرح العالمى»، التى تصدر كلها عن المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الذى تأسس عام 1973، وأصبح الجهة الأساسية فى تنمية الثقافة فى الكويت كثوابت لبنية ثقافية سعت إلى إنماء الثقافة فى الكويت والوطن العربى.

دعم رسمى

وقطعاً ما كان لذلك الدور الثقافى التنويرى أن يستمر لولا الدعم الرسمى من قِبَل الدولة لجهود المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التى تهتم بالشأن الثقافى والأدبى والفنى، وفى مقدمة ذلك الدعم، توجيهات الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، الذى يبدى حرصاً دائماً على الارتقاء بالمكانة الثقافية للبلاد عبر التوسّع فى إنشاء المراكز الثقافية المتطورة، وفق أحدث المعايير التكنولوجية العالمية.

لقد وضع الشيخ صباح الأحمد الكويت على مشارف نهضة ثقافية جديدة من حيث المنشآت الثقافية، ولعل المثال الأبرز فى هذا الصدد تمثّل فى إنشاء مركزين ثقافيين، الأول يحمل اسم مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافى، أما الآخر فيحمل اسم مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافى، ومن شأنهما توفير عدد من المسارح ودور العرض المتخصّصة تخدم الجانب الثقافى والفنى والأدبى بشكل كبير فى البلاد، هذا فضلاً عن إعادة تأهيل قصر السلام، الذى يعد أحد معالم الكويت قديماً، مع ضم ساحة العلم له، لتصبح الساحة مركزاً مجهّزاً لاحتضان مختلف الاحتفالات الوطنية والشعبية. وهكذا احتلت الكويت بما تمتلكه من رؤية حكيمة ومفكرين وأدباء نابهين ودعم رسمى مفتوح لجميع الجهود والفعاليات الثقافية، مكانة متميزة وريادية فى هذا المجال، مما جعلها سابقة لجيرانها، رغم أنها ليست أكبر دول الخليج من حيث الحجم أو السكان، غير أن إنتاجها الثقافى الغزير جعلها واحة خصبة للفكر والإبداع، وعاصمة دائمة للثقافة الخليجية والعربية والإسلامية.


مواضيع متعلقة