منذر كفيف اقتحم الاحتلال منزله: وحشيتهم لم تتوقف أمام مرضي
منذر كفيف اقتحم الاحتلال منزله: وحشيتهم لم تتوقف أمام مرضي
كعادته كل ليلة تناول الرجل الأربعيني، الدواء الذي أصبح روتينا يوميا في حياته منذ عقود، فرب الأسرة المكونة من زوجة وأربعة أطفال، خلد للنوم ليبدأ رحلته العلاجية من الأمراض التي تلازم جسده، ليستيقظ مفزوعا من نومه على صوت أقدام ظنها في البداية للصوص اقتحموا منزله ببيت لحم عند بزوغ فجر يوم بارد من فبراير الماضي، لكنه اكتشف أن اللصوص من نوع آخر، إنهم جنود الاحتلال الإسرائيلي.
"أتذكر تفاصيل هذه الليلة المشؤومة جيدا، خلدت إلى النوم برفقة زوجتي في حجرتنا وذهب الأولاد إلى حجرتهم، وعند حلول الساعة الرابعة فجرا، تسللت إلى أذني أصوات خطوات داخل المنزل، ظننتها في البداية لأحد أبنائي لتزداد الأصوات، فتوقعت أن تكون لعصابة من اللصوص، أيقظت زوجتي لتتفقد ما حل بمنزلنا، وناديت على نجلي طلال أكبر أبنائي سنا، فلم يجب"، حسب حديث منذر مزهر لـ"الوطن".
منذ ما يقرب من 15 عاما فقد منذر بصره بالكامل، فلم يرَ جندى الاحتلال الملثم الذي اقتحم غرفة نومه وأخذ في تسديد اللكمات على وجهه وصدره وكتفيه، لمدة أربع دقائق - حسب تقديره - لتسيل الدماء من الجزء العلوي بجسد الكفيف الذي لاحول له ولا قوة، جراء "قبضة المحتل الدامية".
توسلات الزوجة ودموعها لم تكن سببا كافيا كي يتوقف الجندي عن ضرب زوجها الذي ظل يوجه السؤال ذاته للجندي "ماذا تريدون مني ومن هو ضابطك المسؤول.. أريد التحدث معه؟"، ليجد إجابة واحدة اختلطت فيها اللكمات بشتائم باللغة العبرية وجملة بالعربية "نحن جيش الدفاع الإسرائيلي".
نيف من الدقائق مرت كالسنوات على منذر وعائلته، فعند خروجه من حجرته متوجها لغرفة المعيشة وجد الجنود يركعون أبناءه أمام الحائط، فالصغار انتابتهم حالة من البكاء الهيستيري والكبير صرخ مصدوما "والدي مريض"، فالدماء التي غطت وجه الفلسطيني الكفيف وملابسه كانت كافية لإصابة من يرى هذا المشهد الدراماتيكي بالهلع، ليستمع أفراد الأسرة الفلسطينية لبضع كلمات أخرى بالعربية "اسكت هدوء كل شيء تمام"، وسألوا الابن الأكبر عن اسمه.
غادر جنود الاحتلال الملثمون منزل العائلة الفلسطينية، بعد انتهاء مهمة لا محل لها من الإعراب، تتمثل في ضرب رجل كفيف على سريره أثناء نومه، وتركيع أطفاله تحت تهديد جنود مدججين بالسلاح، وترك مصاب بدون تقديم أي إسعافات أو مساعدة له.
ثلث ساعة كانت كافية لاستيعاب أفراد الأسرة ما حدث لوالدهم، حيث توجه منذر برفقة شقيقته وزوجته ونجله الأكبر إلى مستشفى بيت جالا، لتلقي الإسعافات عن الضرر الذي تسببت فيه لكمات المحتل، لتكشف الأشعة المقطعية عن نزيف داخلي بالعين وكسور في الفك، إضافة لكدمات متفرقة في منطقة الصدر وخلع بمفصل الكتف.
الرجل الأربعيني لا يستطيع التحرك بدون أي مساعدة، فمرض السكري تسبب في بتر أصابع قدميه، ويخضع للغسيل الكلوي ثلاثة أيام أسبوعيا، إضافة لإجراء عمليات متكررة لقسطرة الشرايين.
منذر مزهر، فلسطيني كفيف لا يمثل أي شكل من أشكال التهديد على الاحتلال، الذي انتهك جميع حقوقه الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لاسيما المادة 12 والتي نصت على "لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخُّل أو تلك الحملات".