مجند بـ«أبو زعبل»: الشغب بدأ داخل السجن بعد صيحات «الله أكبر» والمقتحمون قتلوا المسئول عن مخزن السلاح ووزعوا الأسلحة على الأهالى
تسعة شهور كاملة قضاها رجب معبد مجنداً بتشكيل الأمن داخل السجن السياسى بأبوزعبل، وبرغم مرور 3 سنوات على هذا اليوم، فإنه لن ينساه أبداً، فقد شاهد الموت بعينيه، ونجا منه بأعجوبة. وفى هذا اليوم أيضاً فقد أعز صديقين له عندما قُتلا على أيدى مقتحمى السجن بينما كانوا يدافعون عنه من أعلى أبراج التأمين.[FirstQuote]
الحكاية بدأت كما يرويها «معبد» يوم الخميس 27 يناير 2011، حيث بدأ الهرج والمرج يسودان أنحاء السجن كله، فى البداية لم يكن يعلم المجند، الذى كان يبلغ من العمر حينها 21 عاماً، سبب هذا الغضب الذى بدأ يعلن عنه المساجين، ولكنه يتذكر جيداً صيحة «الله أكبر»، التى كان يطلقها أحد المساجين ليرد البقية عليه فى نفس واحد، يرى «رجب» أنها كانت بمثابة كلمة سر ليبدأ الشغب داخل السجن، حاول الضباط تهدئة المساجين كثيراً، ووعدوهم بتلبية مطالبهم، لكن هذا لم يثنِهم أبداً عما كانوا ينوون فعله.. هكذا يقول «معبد». يتابع: «بعد صلاة الجمعة بقليل زادت مظاهرات المساجين، وعلت أصواتهم مطالبين بالخروج من السجن وفتح الأبواب، ولم يجد الضباط الموجودون أمامهم إلا أن يطلبوا دعماً، وبالفعل أتت فصيلتا دعم، وأخذ بعض الضباط يشجعون المجندين ويقولون لهم: سيطروا، ولو المساجين خرجت هتخرب البلد، وأقل ما فيها بيوتكم وأهاليكم أنتم. وبرغم ذلك كان من الصعب جداً السيطرة على حالة الهياج داخل السجن، وبدأ المساجين يقذفوننا بأى شىء فى أيديهم، ونحن ممنوعون من حمل السلاح داخل السجن، ثم جاءتنا أوامر بضرب قنابل الغاز المسيلة للدموع، ولكن المساجين كانوا يحتمون منها بوضع شال حول وجوههم أو وضع بصل أمام أنوفهم لتقليل تأثير الغاز، وفجأة وجدناهم خرجوا من الزنازين، وأصبحت البوابة الرئيسية فقط المغلقة أمامهم، وعندما خرجنا من السجن السياسى وجدنا مساجين باقى العنابر خرجوا أيضاً ويتجولون فى الطرقات، واكتشفنا حينها أن آخر من هربوا هم من كانوا فى السجن السياسى بسبب المقاومة التى واجهناهم بها».
يكمل «رجب» حديثه: «توجهنا فوراً إلى مخزن السلاح لتسلم أسلحة، حتى نستطيع أن نقاوم المساجين بها، ولكننا فوجئنا بأن المسئول عن المخزن تم قتله، وأن هناك بعض الأهالى الذين تسللوا عبر مزارع السجن بدأوا هم فى تسلم الأسلحة بأنفسهم، لذا لم يكن أمامنا إلا أن نحمل بعض الذخيرة ونصعد بها للعساكر الموجودين على الأبراج لنسعفهم بها، حتى يستطيعوا استكمال ضرب النار، واستمرت محاولاتنا تلك، وعلى رأسنا قائد الكتيبة عبدالله مقلد، لكن الأمور كانت قد فلت زمامها تماماً، وكان لا بد لنا من النجاة بأنفسنا، حاولت إقناع زملائى الموجودين على الأبراج بالنزول ولكنهم رفضوا تماماً، وحاول من بعدى بعض الضباط لكنهم أصروا على استكمال مهمتهم حتى النهاية، وكان علينا جميعاً حينها أن نختبئ فى أى مكان أو أن نغامر بالخروج من السجن، وآثر بعض الضباط الاختباء فى منزل إحدى بائعات الشاى، القريب من السجن، حتى تهدأ الأمور قليلاً».
لم يجد «رجب» أمامه إلا أن يلوذ بالفرار بعد أن يئس تماماً من أى إمكانية للسيطرة على السجن مرة أخرى، ارتدى ملابس ملكية فوق ملابسه الميرى ثم سار على قدميه من منطقة أبوزعبل إلى مسطرد، ومع كل خطوة يحمد الله أن وابل الرصاص الذى ينطلق كالهواء فى كل مكان لم ينل منه، إلى أن أصيب بطلقة خرطوش فى قدمه، ولم ينجده إلا بعض أصدقائه المجندين الذين وجدوه مصاباً فحملوه حتى ابتعدوا عن مرمى النيران.
يستطرد «رجب»: «كان هناك بلطجية فى كل مكان، رأيت أنا وزملائى أن نسير معاً فى جماعة حتى نحمى بعضنا البعض، لكن هذا فى الحقيقة لم يمنع عنا الأذى، فكلما قابلنا بعض الأشخاص فى الطريق قاموا بضربنا، ربما اعتقاداً منهم بأننا مساجين هاربون، أو بلطجية نستعد لسرقة بعض المناطق، وفى كل مرة لا ينقذنا من الموت على أيديهم سوى بعض أصحاب القلوب الرحيمة الذين يأخذوننا بعيداً عنهم ويطلبون منا العودة إلى منازلنا فوراً». «بعد أن مرت بضع ساعات وصلنا إلى إحدى المناطق وقابلنا مجموعة أخرى من البلطجية، وبدأت حفلة الضرب من جديد، إلى أن ظهر أحد سكان المنطقة وأبعدهم عنا، وأخذَنا منزله وقال لنا: أنا ابنى فى الجيش أيضاً، وأخاف أن يصيبه مكروه كما يحدث معكم، لذا سأعتنى بكم لعلى أجد من يعتنى به أيضاً، وقام بتقديم الطعام والملابس لنا، ثم أقلنا بسيارته حتى وصلنا إلى محطة القطار، وكانت كل القطارات مزدحمة لدرجة أن مجندين كثيرين كانوا متكدسين على سطح القطارات، وعدت إلى منزلى فى الساعة الثالثة صباحاً، وكأننى كنت فى كابوس واستيقظت منه».
«عندما سألت عن زملائى، علمت أن أحدهم أخذه أحد المساجين فى سيارة إسعاف خاصة بالسجن وقطع له قدميه ثم تركه فى الصحراء، وكاد يموت غارقاً فى دمائه لولا أن وجده بعض الأهالى ونقلوه إلى المستشفى، أما عن صديقىّ رضا وأحمد فعلمت أنهم استشهدا فى هذا اليوم، وإلى الآن لا أستطيع أن أنسى آخر مرة شاهدتهما فيها، وكيف كانا يصران برغم كل المخاطر على حمل السلاح فى مواجهة المقتحمين»، ينهى حديثه: «أفتقدهم كثيراً، ولكننى فخور بهم، فقد عاشوا رجالاً وماتوا رجالاً، وأتمنى أن يقتص لهم القضاء، ويحكم بالإعدام على من ارتكبوا هذه الجريمة البشعة».