سعيد أمير آرميجوند : "25 يناير " نصف ثورة و" 52 " كانت أعمق أثرا

كتب: سيد جبيل

سعيد أمير آرميجوند : "25 يناير " نصف ثورة و" 52 " كانت أعمق أثرا

سعيد أمير آرميجوند : "25 يناير " نصف ثورة و" 52 " كانت أعمق أثرا

25 يناير "نصف ثورة" أو "ثورة غير مكتملة" وستحتاج لسنوات حتى تأتى ثمارها وصعود القوى المحافظة بعد الثورة مثل الإخوان والسلفيين كان أمرا متوقعا وتكرر فى كل ثورات العالم. هذا ما يؤكده البروفسور سعيد أمير آرميجوند أستاذ علم الاجتماعي الأمريكي المرموق- ومدير معهد "ستوني بروك" للدراسات الدولية، بجامعة ولاية نيويورك. أرميجوند - الذى كتب بحثا قيما عن الثورات العربية مؤخرا- أوضح لـ "الوطن" أن العنف والانفلات الأمني الذى عانى منه المصريون منذ اندلاع الثورة لا يقارن بالعنف الذى شهدته دول كثيرة مرت بظروف مشابهة ، و السبب فى ذلك شخصية المصري الذى يقدس القانون و يحترم السلطة , كما أن مؤسسات الدولة فى مصر وعلى راسها الجيش قوية جدا و يصعب الخروج عليها. لماذا لم تنجح الثورة فى مصر فى تحقيق نتائج أفضل مثل ثورات أخرى ؟ ثورة 25 يناير تعتبر ثورة غير مكتملة أو نصف ثورة ، أو ما يسميه بعض العلماء بالثورة التفاوضية. أى أن الثوار يتفاوضون مع الحكومة أو السلطة القائمة لتحقيق بعض المكاسب على خلاف الثورات الكاملة التى يدمر فيها الثوار الحكومة كاملة كما حدث فى ثورة إيران فى 1979 و ثورة فرنسا وثورة ليبيا مؤخرا, مع ملاحظة أن قوات الناتو هى من قام بعملية تدمير نظام القذافى نيابة عن الثوار , و مع ذلك فقد احتاج الناتو 7 أشهر كاملة لتدمير هذا النظام . ومتى تصبح الثورة تفاوضية ؟ عندما يكون النظام قويا و متجذرا بحيث يتعذر على الثوار اقتلاعه من جذوره كما حدث مثلا فى بولندا حيث كانت المعارضة قوية ولكن الدولة كانت قوية أيضا و بقى الجنرال "بيلسودسكي" دائما فى الصورة و معه أجرى الثوار مفاوضاتهم عندما ثاروا عليه فى 1989. و هذا ما حدث فى مصر . كيف؟ عند النظر للحالة المصرية يجب أن نلاحظ ثلاثة أمور, أولها أن المؤسسة العسكرية قوية جدا , ولذلك فهى لم تقدم تنازلات كبيرة للثوار .طبعا من الممكن أن يتم تنظيم مظاهرة أو اثنين كبيرتين فى المستقبل للضغط على المجلس العسكرى لانتزاع بعض المكاسب منه , كما حدث فى الشهور الأولى للثورة والأمر الثانى - رغم الهجمات المتكررة على وزارة الداخلية فإنها لم تنهار و ماتزال تعمل , كما أنه لم يتم تفكيك جهاز أمن الدولة . و بالنظر لهذه الاعتبارات , نجح يحتفظ الجيش بامتيازاته الكثيرة – على عكس الجيش التونسى الذى لم ينجح فى انتزاع أى امتيازات خاصة - وظلت مصر دولة بوليسية ولكن بشكل أقل حدة مما سبق . لعب الجيش دورا محوريا فى حالة الثورة التونسية و المصرية . لكن النتائج جاء مختلفة بعد أكثر من عام على اندلاع الثورتين. كيف تحلل هذا؟ هناك نقاط تشابه بين موقف الجيش المسرى و التونسى و نقاط اختلاف. أهم نقاط التشابه أن الجيشين –على خلاف الوضع فى ليببيا و اليمن و دول عربية أخرى- هما جيشان محترفان معنيان بالحفاظ على الدولة و الدستور أكثر من الحفاظ على النظام. و ايضا على عكس جيوش عربية أخرى فأنهما ابتعدا عن أجهزة " أمن الدولة" و ما يمكن أن نسميه بدولة المخابرات . لكن يبقى أن الجيش المصرى كان أكثر ارتباطا بالنظام من الجيش التونسى و أكثر قربا من انشطة" دولة المخابرات" و تنسيقا مع أجهزة أمن الدولة من الجيش التونسي فى وقت مبكر جدا اصدر الجيش التونسى بيانا قال فيه" ثورتكم ثورتنا و مطالبكم مطالبنا" وذلك بعد رفض اطلاق النيران على المتظاهرين وحيد الحرس الجمهوري الذى تعامل بدموية مع المتظاهرين قصرين فى 9 يناير و فى 7 مارس بادر الجيش بإلغاء البوليس السياسى. أما فى مصر فقد كان الجيش أبطأ وأكثر ترددا فى دعم الثورة ,لكن فى النهاية اختار المصلحة العامة و ليس النظاممعلنا دعمه للمطالب الشرعية للشعب وذلك قبل يوم واحد من نفى مبارك إلى شرم الشيخ فى 11فبراير, 2011 وكذلك أظهر الجيش المصرى ترددا شديدا فى محاكمة ضباط الأمن فضلا عن تفكيك جهاز أمن الدولة. قوة الجيش المصرية الكبيرة جدا مقارنة بالجيش التونسى قيدت الثورة المصرية و حدت من جموحها و جعلتها أكثر اتساقا مع التقاليد المحافظة التى تحترم سلطة الدولة و حكم القانون. لاحظ أن المجلس العسكرى في أود الثورة اصدر مراسيم و قرارات متتابعة احترمها الجميع و التى لم تنجح المعارضة فى تحديها كلامك يذكرنى بأحد كبار قيادات المخابرات المصرية الذى قال لى منذ عدة سنوات أن الحكومات باتت أقوى من الشعوب . كلامه صحيح و اتفق معه إلى حد كبير. لكن كيف تفسر أن تجبر ثورة نظاما على إجراء تغيرات مؤلمة و إجراء انتخابات, ثم تأتى هذه الانتخابات بقوى محافظة ،مثل جماعة الإخوان والأحزاب السلفية ،ليست متعاطفة مع الثورة ؟ هذه ظاهرة تكررت بعد كثير من الثورات, و السبب فى ذلك أن عموم الناس يكونون –على خلاف النخبة الثورية - محافظين . كما أن أهل الريف ايضا يكونون بطبيعتهم محافظين أكثر من المدن . و هذه النزعة المحافظة تعبر عن نفسها فى نتائج الانتخابات . أنا متأكد أن شباب التحرير كانوا يتصورون فى الأيام الأولى بعد تنحى مبارك أنهم قد حققوا الانتصار و انتهى الأمر. لذلك عندما تتابعت الأحداث و أدركوا أن مبارك ذهب لكن نظامه قائم شعروا بالصدمة... رغم أن ما حدث هو شئت مألوف تاريخيا , لكن الناس لا تقرأ التاريخ و حتى فى حالة الثورة الفرنسية لم يتولى شارل لويس بونابرت الثالث - ابن شقيق نابليون بونابرت – السلطة إلا بعد انتخابين جاءا بقوى محافظة للسلطة تماما كما حدث فى مصر. لكنك قلت أن بعض الثورات تؤتى ثمارها على المدى البعيد و المتوسط ؟ هذا صحيح و أظنه ينطبق على الحالة المصرية التى أتوقع أن تشهد تغيرات إيجابية على مدار السنوات القادمة .. هل الانفلات الأمنى و العنف المتزايد الذى يشهده المجتمع المصرى الآن هو ظاهرة متكررة أيضا بعد كل ثورة ؟ بصفة عامة نعم. و لكن العنف الذى تشهدونه و تشكون منه لا يقارن بالعنف الذى شهدته معظم بلدان العالم التى شهدت ثورات . و السبب فى ذلك أن المصريين بطبيعتهم محافظون و مسالمون و أكثر هدوء و أقل تسامحا مع العنف من غيرهم. تستطيع أن تلحظ ذلك من مستوى العنف المحدود فى شوارع القاهرة مقارنة مثلا بالإيرانيين الذين يتعاركون طول الوقت حتى بدون ثورة ! و السبب الآخر و الأهم لهذه الظاهرة هو أن الدولة فى مصر قوية جدا , كما أن الجميع هنا يميل لاحترام القانون . و من الغريب جدا أن المجلس العسكري أصدر عدة قوانين متتالية بعد الثورة مباشرة و قبلها الناس و التزموا بها. و هذا لا يحدث عادة فى أجواء الثورات التى يرفض الناس فيها الانصياع للقانون و السلطة. ثم اين هو العنف الذى تشير إليه ؟! فى ايران قتل 3 آلاف إيراني فى العام الذى سبق الثورة و قتل 40 ألف إيراني فى ال الشهور ال18 التالية للثورة! استطيع أن أوكد لك أن المصريين يتقبلون القانون و يحترمون الحكومة أكثر من غيرهم من الشعوب . الأتراك وحدهم هم من يشبهون المصريين فى هذا التوجه . ربما لأن المصريين قضوا سنوات طويلة فى بناء الدولة - منذ ايام محمد على - و لذلك فاحترام سلطة الدولة محفور فى الشخصية المصرية .و هذا يعنى أمرين أولهما أنكم لن تعانوا من مستويات عالية للعنف مثل كثير من بلاد العالم. وثانيهما أن الثورة لن تؤدى لتغييرات جذرية و أى تغيير سيستغرق وقتا طويلا و تقديرى أن التغير الذى أحدثه انقلاب عبدالناصر فى 1952 كان أعمق أثرا و أسرع مفعولا من الثورة الحالية .