رئيس التحرير

محمود مسلم

طابا 30 عامـــاً من معركــــة استرداد الأرض

09:59 ص | الثلاثاء 19 مارس 2019
الوفد المصرى المشارك فى عملية استرداد طابا

الوفد المصرى المشارك فى عملية استرداد طابا

أرسى نصر أكتوبر عام 1973، الذى حققته مصر ضد إسرائيل، قواعد استئناف الصراع بين العرب وإسرائيل، باستخدام «القنوات السياسية»، وكانت أولى الحلقات معركة استرداد طابا، التى يمر عليها 30 عاماً، حيث لا تزال كواليسها لم تنتهِ بعد، حيث لجأ المفاوض المصرى إلى الطرق القانونية والدبلوماسية عبر التحكيم الدولى، ليُثبت أحقيته فى المنطقة، مقدّماً ما يثبت من المستندات أنها مدينة مصرية وليست إسرائيلية، كما أشاع القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون، وحيث أدت مصر أداء دبلوماسياً وسياسياً متميزاً، وضرب القوة بالقانون.

ولفت اللواء الدكتور محمد الشهاوى، مستشار كلية القادة والأركان، إلى أن «طابا من قبل أن توجد إسرائيل فى المنطقة، وهى تمثل شوكة ظهر بالنسبة لكل المعتدين، حيث تعود مشكلة طابا الأولى، إلى مطلع القرن العشرين، بين مصر وسلطة الاحتلال البريطانى، كطرف أول مع الدولة العثمانية كطرف ثانٍ فى يناير 1906، حيث أرسلت تركيا قوة لاحتلالها، مخالفة بذلك ما جاء بفرمان 1841 و1892 الخاصين بولاية مصر والحدود الدولية الشرقية لها، والممتدة من رفح شمالاً على ساحل البحر المتوسط إلى رأس خليج العقبة جنوباً، شاملة قلاع العقبة وطابا والمويلح.

وتدخّلت بريطانيا سياسياً لمنع تكريس الأمر الواقع على الحدود، وذلك حفاظاً على مصالحها فى مصر، أو لمجرد احتمال تهديد قناة السويس، ذلك الشريان الحيوى الذى يصلها، ومستعمراتها فى جنوب شرقى آسيا والهند، وازدادت المشكلة تعقيداً، فتعدّدت أزمة طابا وامتدت إلى منطقة رفح فى أقصى الشمال، حيث قامت الدولة العثمانية أيضاً بقوة من جنودها، باحتلال مدينة رفح، وإزالة أعمدة الحدود الدولية بها.

"المفاوض المصرى" هزَم إسرائيل قانونياً ودبلوماسياً.. ونقل الصراع إلى "القنوات السياسية"

وأضاف «الشهاوى» لـ«الوطن» أنه «أمام فشل الجهود السياسية فى ذلك الوقت، قدمت بريطانيا إنذاراً نهائياً إلى الباب العالى فى تركيا، أوضحت فيه أنها ستضطر للالتجاء إلى القوة المسلحة، ما لم يتم إخلاء طابا ورفح وعودة القوات التركية بهما إلى ما وراء الحدود، الأمر الذى دفع بالسلطة العثمانية بها إلى الرضوخ لهذه المطالب الشرعية، وعيّنت لجنة مشتركة مع الجانب المصرى والبريطانى، لإعادة ترسيم الحدود إلى ما كانت عليه، مع تدقيقها، طبقاً لمقتضى القواعد الطبوغرافية، لتحديد نقاط الحدود الطبيعية، بدءاً من رفح ثم تتّجه اللجان جنوباً بشرق على خط مستقيم تقريباً إلى نقطة حدود على خليج العقبة تبعد ثلاثة أميال من العقبة».

"الشهاوى": "شوكة" فى ظهر كل المعتدين و"الحلبى": مفتاح الدخول إلى جنوب إسرائيل عبر سيناء

مما يستدل منه ببساطة على عودة منطقة طابا إلى داخل الحدود المصرية بنحو ثلاثة أميال، حيث انتهى المهندسون البريطانيون مع مندوب المساحة المصرية واللجنة التركية من رسم الخرائط، وتثبيت علامات الحدود من رأس طابا جنوباً، مروراً على رؤوس جبال طابا الشرقية، المطلة على وادى طابا، ثم يتّجه الخط الفاصل بالانتقال شمالاً حتى رفح إلى شاطئ البحر المتوسط، مع تحديد هذا الخط الحدودى فلكياً، وعلى الخرائط المرفقة بالاتفاقية المبرمة بين كل من مصر وبريطانيا وتركيا بخط أسود متقطع.

النزاع بدأ مطلع القرن العشرين بين مصر وبريطانيا والدولة العثمانية وبناء "تل أبيب" لفندق عام 1980 بداية الخلاف حول الحدود

وبلغ عدد الأعمدة المقامة وقتئذ على الحدود الدولية 91 عموداً للحدود، بدءاً من العمود رقم واحد عند ميناء رفح على تل الخرايب وآخر عمود، وهو رقم 91 على رأس طابا، حيث انتهى نهائياً بناء هذه الأعمدة الأسمنتية المسلحة فى 9 فبراير 1907، وهكذا عادت طابا مصرية فى مطلع القرن العشرين، وكانت الوثائق التاريخية المتعلقة بمشكلة طابا الأولى خير سند قانونى لدعم موقف المفاوض المصرى فى أزمة طابا الثانية، فى الثمانينات من القرن العشرين الماضى.

وقدّر لمنطقة طابا أن تكون مرة أخرى بعد نصر أكتوبر 73، فى دائرة الاهتمام لكل من الدبلوماسية المصرية والإسرائيلية، وذلك خلال ترتيبات الانسحاب النهائى من شبه جزيرة سيناء، تنفيذاً لاتفاقية السلام، حيث بدأت مقدّمات المشكلة، عندما عادت مسألة الحدود الآمنة، تطرحها إسرائيل بعد حرب أكتوبر 73، إلى أن عقدت معاهدة السلام فى مارس 79، التى نصّت فى مادتها الأولى على أن تنسحب إسرائيل من سيناء، إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، إلا أن إسرائيل (بعد توقيع المعاهدة)، قرّرت توسيع الأقاليم التى تحيط بميناء إيلات، وشرعت فى إقامة فندق سياحى فى وادى طابا دون إبلاغ مصر، ومن هنا بدأ خلاف حول الحدود، خاصة عند علامة الحدود رقم 91 بمنطقة طابا.

وأكد مستشار كلية القادة والأركان، أن «مصر فى أكتوبر عام 1981، وعند تدقيق أعمدة الحدود الشرقية اكتشفت اللجنة المصرية بعض مخالفات إسرائيلية حول 13 علامة حدودية أخرى أرادت أن تدخلها ضمن أراضيها، وأعلنت مصر أنها لن تتنازل أو تفرّط فى سنتيمتر واحد من أراضيها، وأن الحفاظ على وحدة التراب الوطنى المصرى هدف أساسى وركيزة لكل تحرك».

وأشار إلى أنه دارت مباحثات على مستوى «عالٍ»، بين الجانبين، استخدمت إسرائيل فيها كل صنوف المراوغات، وأعلنت مصر أن أى خلاف حول الحدود يجب أن يُحل وفقاً للمادة السابعة من معاهدة السلام، التى تنص خلاصتها على أن يتم الحل عن طريق المفاوضات، وفى حالة فشلها يتم اللجوء إلى التوفيق أو التحكيم.

وأبدت مصر رغبتها فى اللجوء إلى مشاركة التحكيم، فشكلت لجنة فنية تضم مجموعة من الأساتذة والخبراء المتخصصين فى القانون الدولى، لدراسة الجوانب القانونية للتوفيق والتحكيم، كما شكلت مصر لجنة فنية أخرى للاتفاق على النظام الذى يسود المناطق المتنازَع عليها، حيث رأت مصر أنها تفضّل اللجوء إلى التحكيم فى المقام الأول.

واستمرت المفاوضات لأكثر من أربع سنوات وسط صعوبة الوصول إلى حل للنزاع، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم الاتفاق فى 11 سبتمبر 1986 على اللجوء لـ«هيئة تحكيم دولية» تُعقد فى جنيف بسويسرا، حيث يحقّق هدفين أساسيين أصر عليهما الجانب المصرى ضمن شروط التحكيم، وهما، أولاً: تلتزم إسرائيل بقرارات التحكيم بجدول زمنى محدد بدقة، ثانياً: تحدد مهمة المحكمة بدقة، بحيث تكون مهمتها الوحيدة المسندة إليها هى تثبيت الموقع الذى تراه صحيحاً، وترفض الموقع الذى اقترحه الطرف الآخر، مع اعتبار الحكم نهائياً يلزم تنفيذه دون تراجع.

وأخذت «الهيئة» انطباعاً حقيقياً عن أوضاع نقاط الحدود، طبقاً للدفاع ووجهة النظر المصرية بعوامل قوتها، ومن وجهة النظر الإسرائيلية بعوامل ضعف حجتها، وأفادت المحكمة فى إصدار الحكم لصالح مصر عام 1988، ثم فى تكييف أسباب هذا الحكم النهائى، وبعد صدور الحكم فى 29 سبتمبر من العام ذاته لصالح مصر، أصبحت القضية المثارة تتلخص فى تنفيذه.

وأوضح اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أنه «رغم صغر مساحة مدينة طابا فإنها تعتبر درة محافظة جنوب سيناء، لما لها من استراتيجية، وأهمية كبرى فى تاريخ النضال المصرى، لأنها تعتبر محدودة المساحة، وتقع على الساحل الغربى لخليج العقبة، وعلى مسافة 5 أميال من رأس الخليج «بحراً» وداخل الحدود المصرية بثلاثة أميال، وبالقرب من مصادر آبار المياه العذبة، وتتحكم طابا فى الممرات المتّجهة إلى وسط سيناء، وكذا فى الطريق المتّجه إلى غزة شمالاً، وتعتبر طابا بذلك مفتاح الدخول إلى جنوب إسرائيل عبر سيناء وبالعكس».

وأضاف «الحلبى» لـ«الوطن»، أنها «فى الوقت نفسه تطل على ميناء إيلات، الأمر الذى يسمح لمن يوجدون فيها بالسيطرة على هذه المنطقة الحيوية، التى تمثل شرياناً مهماً إلى قارة آسيا وأفريقيا، وكذلك فإن المنطقة من خليج العقبة وإلى مسافة 20كم شمالاً عبارة عن هضبة جبلية يمتد بها وادى طابا، الذى يخترقه ممران جبليان يتّجهان إلى إيلات، ويكون أحدهما جزءاً من طريق الحج البرى القديم بسيناء»، موضحاً أن المثلث «طابا - العقبة - رأس النقب»، يعتبر مثلثاً استراتيجياً بفكر العمليات الحربية، حيث ترتكز قاعدة «طابا - رأس النقب» على الحرف الشرقى لوادى طابا، حيث يتحكم الرأس المطل على الخليج بالطريق الساحلى، ومخرج الممر، كما أن هذا المثلث يمكن أن يمتد ليكون مثلثاً آخر هو «العقبة - شرم الشيخ - السويس»، كما أن أهمية الأرض التى يمتد خلالها خط الحدود الدولية الشرقية حتى رفح شمالاً، ترتبط بالتوفير النسبى لموارد المياه العذبة وطرق التحرّكات الرئيسية «الجنوبى - والأوسط - الشمالى»، كما أن بعضها يصلح للزراعة والتنمية السكانية وأعمال السياحة على النحو الذى حدث فى منطقة طابا.

وانتهت قضية طابا برفع الرئيس المصرى الأسبق محمد حسنى مبارك العلم فوق أراضيها عام 1989 بعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من سبع سنوات.

عرض التعليقات