بالصور| الشاطبي والبساتين والزيتون.. رحلة تُرب اليهود في مصر

كتب: أحمد تيمور

بالصور| الشاطبي والبساتين والزيتون.. رحلة تُرب اليهود في مصر

بالصور| الشاطبي والبساتين والزيتون.. رحلة تُرب اليهود في مصر

يعد اهتمام الدولة المصرية وحرص وزارة الآثار على تسجيل جميع الآثار المصرية على أرضها دون النظر إلى حقبتها الزمنية أو انتمائها العقائدي سواء أكانت مصرية أو قبطية أو يهودية أو إسلامية، توجه دولي للحفاظ على التراث كونه ذو قيمة كبيرة للبشرية.

ووسط الجدل المثار حول ترميم مقابر اليهود في عزبة النصر بالبساتين ومع تأكيد رئيس حي البساتين اللواء محمود ضياء إن الدولة، ممثلة في الحي ومحافظة القاهرة لم تصرف جنيها واحدا على تطوير كما يزعم البعض، وأن مخلفات مقابر اليهود أزيلت بواسطة هيئة النظافة وجار بناء سور حولها تتحمل الطائفة اليهودية في مصر تكلفته، وذلك تمهيدا لاستلامهم لها للحفاظ عليها من أي عبث أو إلقاء المخلفات.

ووصلت مشكلة المقابر اليهودية في مصر لذروتها حين أصدر زاهي حواس، الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار، إبان حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، قرارا بضم جميع مقابر اليهود في أنحاء جمهورية مصر العربية إلى المجلس واعتبارها جزءًا من تراث مصر وتاريخها، تمهيدا لأعمال الحفر أسفل مقابر اليهود للبحث عن مقبرة "الإسكندر الأكبر"، بالإسكندرية.

وحاولت بعثات أثرية كبيرة إثبات أن مقبرته تقع أسفل مقابر اليهود بالإسكندرية ما دعى حواس لإصدار القرار السابق تحسبا لأى هجوم متوقع من الجالية اليهودية فى مصر، لكن المشروع توقف لسبب غير معلوم.

وبدأت وزارة الأثار في أبريل عام 2017عن طريق لجنة من قطاع الآثار اليهودية بوزارة الآثار، برئاسة الدكتور محمد مهران عملها لتوثيق وتوصيف مقابراليهودوالحاخامات في الإسكندرية، تمهيدا لتسجيلها لأول مرة في عداد الآثار البالغ عمرها 170 سنة.

وكانت المقابر المراد تسجيلها 3 مقابر في منطقتي باب شرق والأزاريطة، أحدها تضم 20 ألف شاهد قبر، وبمساحات تتراوح بين 6 و13 فدانًا، لافتا إلى وجود مقبرة تتميز بمظهر جمالي وزخارف وبها أحواش كاملة البناء تشبه المعابد الصغيرة، فضلا عن أنها تضم أكثر من 60 عائلة يهودية مشهورة مثل منشا وساويرس.

تاريخ المقابر اليهودية

المقبرة اليهودية اسمها في العبرية "بيت علمين أو بيت كفاروت" ومعناها بيت الأبدي ويعد إنشاء مقبرة من أولويات المجتمع اليهودي في أي مكان في العالم، حيث كانت المقابر اليهودية في الماضي تقام خارج المدن، وفي الشتات كان من التقاليد دفن الميت وقدماه في اتجاه القدس وتكون شواهد القبور باللغة العبرية واللغة المحلية.

أثناء الحكم النازي تم تدمير معظم قبور اليهود ونبشها وأكبر المقابر اليهودية في أوروبا موجودة في بودابست وبراج ووارسو وبرلين، وكذلك المقبرة اليهودية في خوتين في أوكرانيا أما في الولايات المتحدة فتوجد مقابر عديدة منها مقبرة كامنج ستريت في تشارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية ومقبرة ميكفيه إسرائيل في فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا والمقبرة اليهودية في ريتشموند في ولاية فرجينيا ومقبرة بناي إسرائيل في أشلاند في ولاية ويسكونسن، والمقبرة اليهودية القديمة في سينسيناتي في ولاية أوهايو وهذه المقابر هي أقدم مقابر في أمريكا.

مقابر اليهود في مصر

كانت علاقة أحمد بن طولون أمير مصر ومؤسس الدولة الطولونية في مصر والشام بالبطريرك خلقدوني خائيل الثالث غير جيدة، فقد استدعاه وأمره بدفع عشرين ألف دينار، ولما عجز البطريرك عن دفعها أمر بسجنه وضمنه بعض الكتاب لبضعة أيام حتى يدبر أمره، فاضطر البطريرك إلى بيع بعض ممتلكات الكنيسة لليهود مثل موضع المجمع اليهودي الحالي القريب من الكنيسة المعلقة، موضع مقابر اليهود الحالية بالبساتين والتي استمرت كمقابر لليهود إلى الآن.

اهتم اليهود بإقامة مقابرهم فى أرقي أحياء الإسكندرية والقاهرة القديمة، وقاموا ببنائها على أحدث طراز معماري يهودي فى العصر القديم، وتشيدها على مساحات شاسعة، وتعتبر مقابر اليهود الواقعة فى ميدان الخرطوم بالحي التلاتيني بالإسكندرية أمام كلية الطب، أكبر مقابر لليهود.

وأقيمت مقابر الحي التلاتيني على مساحة 7 أفدنة، وتضم 20 الف مقبرة وكان أخر جثمان دفن بها عام 1956، وتليها ترب اليهود بمنطقة الشاطبي، ثم ترب منطقة الشلالات، و"ترب اليهود" بالبساتين والتى تعد ثانى أكبر مقبرة يهودية بعد مقابر "جبل الزيتون" فى القدس الشريف، وتضم المقابر رفات عدد كبير من اليهود الذين ماتوا في مصر قبل قرار هجرتهم الجماعية من مصر إبان ثورة 23 يونيه 1952، والعدد القليل الذى تبقى منهم بعد يونيه.

فى عام 1978 أطلقت كارمن واينشتاين رئيس الطائفة اليهودية فى القاهرة آنذاك، نداء لليهود فى العالم خلال وسائل الإعلام من أجل إنقاذ مقابرهم وبالفعل استجاب اليهود فى فرنسا من خلال جمعية المحافظة على التراث، والتي تضم في عضويتها يهودًا مصريين وأرسلوا أموالا من أجل بناء سور حول المقابر بالإضافة إلى تعيين 3 حراس لمقابرهم، وعلى الرغم من إنفاق اليهود آلاف الدولارات على تذاكر الطائرات، إلا أنهم لم يدفعوا الأموال اللازمة لبناء سور لتلك المقابر، كما اختفت معالم مقابر القرائيين.

من أهم الشخصيات التى تأثر بها اليهود ودفن فى مقابر البساتين الحاخام سعيد بن يوسف أبو يعقوب الفيومي المشهور بـ"سَعْدِيا" ولد في 882 م في الفيوم وهو حاخام وفيلسوف يهودي مصري تأثر بالمدرسة الكلامية ومذهب المعتزلة ودافع عن شرعية النبوة ووحدانية الله كما رفض الإيمان بالسحرة والمنجمين وهو أول شخصية عبرية مهمة تكتب على نطاق واسع بالعربية، ويعتبر مؤسس الأدب العربي اليهودي كتبوا الكتاب المقدس باللغة العربية ووضع أسس النحو العبرى، واعتبر دوليا بوصفه شخصية اليهودية البارزة والأدبية والسياسية في العصور الوسطى.

كما دفن بها أيضا يعقوب بن يوسف بن كلس وُلد لعائلة يهودية عام 930م في بغداد وسافر مع أبيه إلى الشام فأنفذ منها إلى مصر سنة 331 فاتصل ببعض خواص كافور حاكم مصر فعهد إليه بعمارة داره ورأى فيه النجابة والنزاهه فعينه في ديوانه الخاص؛ ولم تزل حظوته تزداد عند كافور حتى أمر اصحاب الدواوين ألا يُصرف شيئ من المال إلا بتوقيع ابن كلس.

حوش موصيري

ويعتبر حوش عائلة "موصيري" من أهم أثار اليهود فى مصر، وذلك لاحتوائه على شواهد قبور ذات قيمة فنية عالية، وقام المجلس الأعلى للأثار بترميمه منذ فترة طويلة بالإضافة إلى أنه الحوش الوحيد المسجل ضمن الأثار اليهودية فى مصر.

عائلة "موصيري" من أهم العائلات اليهودية التي ساهمت في بناء الاقتصاد المصري وهي عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واحتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية، وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة، وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري.

طقوس الدفن

يحاول الشخص قبل أن يتوفى أن يردد صلاة "شمع"، وهي تعني "اسمع يا إسرائيل أن الرب إلهانا واحد"، مشيرًا إلى أنه إذا لم يستطع ترديد هذه الصلاة فلابد من أحد أقربائه أن يرددها لأنها أقرب إلى الشهادة عند المسلمين مع الفرق.

ومن الطقوس المتبعة أيضًا في الشريعة اليهودية عند وفاة الشخص هو أن يتم دفنه خلال 24 ساعة أو قبل المغرب، وبرغم هذا لم يتم دفن "شحاتة هارون"، رئيس الطائفة اليهودية السابق بمصر، أو ابنته "كارمن" بنفس اليوم، بسبب انتظار الطائفة مجيء حاخام من فرنسا للصلاة عليهم، خاصةً أن الطائفة اليهودية المصرية ترفض التعامل مع إسرائيل لرفض الاتجاه "الصهيوني" الذي تتبعه دولة الاحتلال، والتأكيد على العالم رفضهم التعامل مع إسرائيل كما ذكر الدكتور جمال أحمد الرفاعي، رئيس قسم اللغة العبرية الحديثة في كلية الألسن بجامعة عين شمس في حوار مع جريدة الدستور.

وأضاف الرفاعي أن هناك صلاة تؤدى على المتوفى اسمها "عليون نشماه"، أي صعود الروح، موضحًا أن الطقوس تختلف من طائفة لطائفة، فعلى سبيل المثال "اليمين اليهودي" يلقون ببعض الأحجار بأركان الأرض الأربعة عند دفن موتاهم، اعتقادا أنهم يبعدون الأرواح الشريرة من النزول مع المتوفي في القبر.

رئيسة الطائفة اليهودية في مصر

ماجدة هارون ابنة اليساري المصري شحاتة هارون، اليهودي الذي طالما عادى الصهيونية حتى أن إحدى بناته ماتت متأثرة بمرضها لأنها لم ترد السفر للعلاج لتعيش وتموت هنا، تولت ماجدة رئاسة الطائفة في أبريل الماضي وتعهدت بالخروج بالطائفة من حالة الانغلاق، للانفتاح على المجتمع قبل اندثارها.

واستنكرت رئيسة الطائفة اليهودية بمصر، ماجدة هارون منذ سنوات ما رأته خلال زيارتها لقبر أختها نادية هارون، وأبيها شحاتة هارون، حيث وجدت عددا من الشباب يتبولون على "ترب اليهود".

وقالت هارون، عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك، إنها ذهبت في الصباح مقابر اليهود بالبساتين مع زوجها المسيحي وبناتها المسلمات وصديقة مسيحية وأخرى مسلمة، وصديقات أختها نادية في الذكرى السنوية لوفاتها، فرأت ما أتعبها نفسيا وأشعل الحزن بداخلها.

تحكي هارون أنها بعد أن غسلت قبر أختها وقبر والدها، ووضعت "الزلط" عليهما وصلت كما هي عادات اليهود، ابتعدت عن القبور هي ومن معها متجهين إلى السيارات، وكان بعض سكان المنطقة ينظرون إليهما، ثم قام بعضهم، وسنهم أقل من 15 سنة بسبهم، ثم توجهوا إلى مقبرة أختها وأبيها وأخذوا يتبولون عليها.

وأخيرا قال اللواء محمود ضياء، رئيس حي البساتين، إنه جرى تسليم مقابر اليهود بعزبة النصر بالبساتين لممثل الطائفة اليهودية بمصر.

وأضاف رئيس حي البساتين، في تصريحات سابقة، أنه جرى الانتهاء من بناء السور حول مقابر اليهود بمنطقة عزبة النصر، وتركيب بوابة حديدية على المقابر بعد انتهاء أعمال بناء السور، لافتا إلى أن من قام ببناء السور وتركيب البوابة هي الطائفة اليهودية وليس الحي أو المحافظة.

وفيما يتعلق بظهور 2 من الحاخامات في مقابر اليهود مؤخرا، أكد رئيس الحي، أنهما تواجدا بتلك المنطقة بعد عملية تطهيرها من القمامة وإزالة التعديات عليها من جانب الحي وهيئة النظافة.


مواضيع متعلقة