التدخين «حلال أم حرام؟»: 400 سنة خلافات فقهية

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

التدخين «حلال أم حرام؟»: 400 سنة خلافات فقهية

التدخين «حلال أم حرام؟»: 400 سنة خلافات فقهية

4 قرون من الخلاف بين المذاهب والفقهاء والعلماء حول حرمة «التدخين»، فالجدل ليس جديداً، وحسم الطب هذا الخلاف عندما انتصر لتحريمه نتيجة آثاره السلبية على صحة الإنسان، فكان تحريمه انطلاقاً من القاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار»، فيما أجمع العلماء منذ البداية على حرمة «الخمور»، لما ورد فيها من نصوص قرآنية واضحة وقاطعة بحرمتها، وألحقوا بها المخدرات، معتمدين فى ذلك على نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن كل مُسكر ومُفتر.. وبين التسهل والتشدد فى تحريم التدخين، خرجت بين الحين والآخر فتاوى مثيرة للجدل، وأخرى اعتبرها البعض شاذة.

استعرض الشيخ حسنين مخلوف، من كبار علماء الأزهر، فى فتواه بموسوعة «فتاوى الأزهر» فى مارس 1949، حكم تجارة الدخان والكسب الناتج عنها، والخلاف بين المذاهب قبل عدة قرون فى التدخين، قائلاً: «اعلم أن حكم تعاطى الدخان حكم اجتهادى، اختلفت فيه آراء الفقهاء، والحق عندنا كما فى رد المختار، أنه الإباحة، وقد أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة، كما نقله العلامة الأجهورى المالكى (توفى 1066 هجرياً) فى رسالته، وقال العلامة عبدالغنى النابلسى (توفى 1143 هجرياً) فى رسالته التى ألفها، إنه لم يقم دليل شرعى على حرمته أو كراهته، ولم يثبت إسكاره أو تفتيره أو إضراره بعامة الشاربين حتى يكون حراماً أو مكروها تحريماً، فيدخل فى قاعدة أن الأصل فى الأشياء الإباحة، بل قد ثبت خلاف ذلك، والراجح عند جمهور الحنفية والشافعية أن الأصل الإباحة».

المؤسسات الدينية ترفضه استناداً لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".. و"جمعة": الإسلام حرّم على الإنسان كل ما يضر البدن حسياً كان أو معنوياً

ولم يعتمد كل من الأزهر أو دار الإفتاء المصرية فى العصر الحديث رأى الشيخ «مخلوف» كفتوى يؤخذ بها، واتفقت المؤسسات الدينية على تحريم التدخين لثبوت الضرر منه، وتأكيد الطب أنه ربما يكون سبباً للوفاة.

وبين الآراء المثيرة للجدل فى الموقف من التدخين، والتى خالفت الإجماع الأزهرى حديثاً، رأى المفكر الراحل جمال البنا الذى أباح التدخين حتى فى نهار رمضان، وكان رأيه انطلاقاً من أن الله لا يكلف إنساناً ما لا طاقة له به، وأن التدخين كالبخور ليسا من الغذاء ليدخلا ضمن مُفطرات الصوم، بل إن هناك من الفقهاء من استثنوا «الحقن» التى تغذى الجسد من المفطرات، وذهب إلى أن الحلال والحرام لا يمكن النقاش فيه إذا كان منصوصاً عليه فى القرآن، فإذا لم يرد نص عليه فى القرآن أو السنة، فهو محض اجتهاد، وبذلك فإن القول بحرمة التدخين نوع من العنت. وتكاثرت الردود والانتقادات لرأى «البنا»، وقال الدكتور على جمعة، مفتى الديار المصرية السابق، إن الإسلام حرم على الإنسان كل ما يضر البدن حسياً كان أو معنوياً، فالطيبات هى كل ما عاد على الإنسان بالنفع الحسى أو المعنوى أو لم يضره، بينما الخبائث كل ما ضرَّ الإنسان حسياً أو معنوياً. كما قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وروى عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار»، وقد ثبت طبياً أن التدخين بكل أنواعه مضرٌّ بصحة وبدن الإنسان، لذلك فهو حرام.

"البنا" استبعد السجائر من مفطرات الصيام باعتبارها مثل البخور.. والطب: خطر على الصحة.. والإفتاء: "تعاطى المخدرات هلاك ظاهر وإلقاء للنفس فى المخاطر"

من جانبها، كثفت المؤسسات الدينية جهودها لمكافحة المخدرات والإدمان، ولم تترك وسيلة قديمة أو معاصرة للوصول إلى المواطنين وتحذيرهم من الإدمان.

ولمكافحة المخدرات والإدمان، أجمعت المؤسسات الدينية على تحريمها، فأطلقت دار الإفتاء ووزارة الأوقاف العديد من الحملات لمواجهة المخدرات والتعاطى عبر صفحات التواصل، ونشرت الدار حُكم الدين منها، قائلة «إن علماء الإسلام نصوا على تحريم تعاطى المخدرات، ونقَل الإجماعَ على الحرمة الإمامُ القرافى المالكى، فيما اعتبره بعضهم من جملة الكبائر.

وأوضحت «الإفتاء» فى فتواها، عبر موقعها الرسمى، أن الآيتين نصتا على النهى عن الإضرار بالنفس والإلقاء بها فى المهالك، والأمر بالمحافظة عليها من المخاطر، لأن المحافظة عليها من المقاصد الخمس، لذلك حُرم على الإنسان كل ما يُذهِب عقله أو يضر نفسه، ومعلوم أن فى تعاطى المخدِّرات هلاكاً ظاهراً، وإلقاءً بالنفس فى المخاطر.


مواضيع متعلقة