24 درجة سلم تفصل بين الأهالي والعشوائيات، منحنى علوي يتوسط البيوت المتراصة يمينًا ويسارًا، يأخذك الطريق إلى عمق منطقة "منشية ناصر"، أصوات تتعالى، صغار يتوسطون الشارع بيتهم الأول، وعلى اليسار صاحب محل يجذبه الحديث مع أحد السكان فتتعالى ضحكاتهم، سيدة خمسينية تجلس على عتبات سلالم بيتها تشغل وقتها بين النظر إلى المارة وطأطأة رأسها للتفكير في مشاكلها الحياتية، زقاق غير مستوٍ بسلالم محطمة لا يستوعب مرور سوى شخص واحد، خطوات صغيرة بمنحنى الشارع وتدهشك سلالم منخفضة، تأخذك إلى بيوت عفى عليها الزمن.
على يسار الزقاق يجلس بعض سكان المنطقة على "قهوة" تتوسط السلم، آثار اللامبالاة واليأس من رؤية جديد تغطي وجوههم، رغم سطوع الشمس يرعبك مظهر السواد والأتربة التي تغطي البيوت المتهالكة، مياه تسير في أرضية هذا الزقاق، يستوقفك 3 شباب من السكان تبدو عليهم مظاهر تعب المعيشة والفقر، يجلسون في غرفة من 3 حوائط، حيث جعلوا الحائط الرابع جانب من الجبل، منطقة كاملة وضعت أساس منازلها على جزء من جبل المقطم، تظهر بعض الأعشاب الخضراء والمياه غير معروفة المصدر أعلى حائط الجبل، "بقالنا سنين عايشين هنا والمياه دي بتنزل زي ماهي ومش عارفين جاية منين" قالها أحد الشباب، رغم الأشياء المبعثرة في كل مكان، والضوضاء والإهمال وعدم النظافة، إلا أن قطرات المياه التي تسقط قطرة تلو الأخرى منذ عهد، حتى نبت العشب الأخضر شكلت منظرا جماليا وسط عتمة الفقر.[FirstQuote]
لم تكن مغادرة العشوائيات والرحيل إلى مكان أكثر آدمية حلم يطوف خيال سكان المنشية، فلا مشاكل تواجههم هناك، فلا منازل ترهقهم، ولا معيشة أعلى يسعون إليها، فقط العيش يوم واحد دون تهديد، وطالما يضمن لهم عدم هدم بيوتهم أو الضرر بأحدهم، أصحاب الطبقة المنزلية الثالثة لا يأبهون وجود الكهرباء أو انقطاعها أو وفرة المياه من عدمها أو فرض الأمن في منطقتهم من غيابه، فلا يشغلهم سوى "هما لسه بيفكروا يهدوا بيوتنا"، تقولها "سيدة إبراهيم" خمسينية العمر لـ"الوطن"، التي عاشت أكثر من نصف عمرها بين الفقر، سؤالها في خوف من المستقبل، فالعيش تحت بيوت "الزبالين"، المنازل التي يعيشون تحتها مباشرة من الجبل، أفضل ما يحلمون، أكثر من ثلاثين عامًا عاشها سكان المنشية فوق الجبل، حطموا صخوره وبنوا بيتوًا وعاشوا بها، أما الرزق "على باب الله"، في العشوائيات رقد الآلاف من المواطنين في منازل تملك قرارات إزالة منذ سنين، ومازالوا يتمسكون بالعيش بها، لا يملكون المال ولا حسن المعيشة، ومع ذلك لا ينطقون بسوء المياه أو انقطاع التيار الكهربي أو انعدام الأمن، "المياه كويسة والنور سعات بيقطع.. والحمدلله من ناحية الأمن معندناش بلطجية" تقولها "أم صابر".[SecondQuote]
أما عن الطبقة الثانية من الجبل "بيوت الزبالين"، أكياس القمامة ملاقاة في كل مكان، في الشوارع والأزقة وداخل البيوت، في الوقت الذي ترى فيه ارتفاع المنازل وزهوها، ومظهر عاملي القمامة أنفسهم ونسائهم المتأنقة، رغم عملهم منذ بداية الصباح حتى الليل في جمع القمامة وتنقيتها للحصول على الرزق، انشغل جامعو القمامة بجمع الأموال، دون أن ينعموا بالاستمتاع الآدامي بتلك الأموال، في الطبقتين تسيطر حالة اللا آدمية على مظاهر الحياة، رغم توفر أدواتها من عدمها، فهذه هي الحياة التي اختاروا العيش فيها دون تغيير، أو تحول لأفضل، تحكي "سيدة إبراهيم" عن بداية عيشها في المنشية، قائلة: "عايشة هنا بقالي 33 سنة، البيت بتاعنا مبني نصه على الصخرة ونصه على الأرض، المياة شغالة والنور شوية بيقطع"، تقطع سيدة حديثها لتسأل عن أسباب وجودنا بتردد، "هما هيهدوا بيوتنا تاني ولا إيه، من فترة الحكومة جات خدت أسامينا وقالوا هيهدوها وبعدين مشيوا"، هذا ما خشيت أن يحدث لها ولأسرتها المكونة من 5 فتيات و3 أولاد.
عانت ضعفا في بصرها منذ أكثر من 4 سنوات، "أم صابر" السيدة السبعينية التي فقدت البصر بعينها اليسرى، وتمسكت اليمنى ببصيص من النور يحتاج إلى عملية باهظة الثمن، خيرها الطبيب المعالج إما بصيص النور أو اللاشيء بعد إجراء العملية، فلا شيء مضمون، "بقالي 4 سنين ونص ما بخرجش من البيت، عنيا مبشوفش بيها، قرنية العين عاوزة تتغير، الدكتور قالي إنتي كدة هتبصي بسيط، لو عملتيها هتفسد"، عاشت أم صابر بين أسرتها المكونة من 5 أفراد، ولم تستطع أن تُزوج سوى البنت، أمام الأولاد فلم تستطع أن تعينهم على الزواج بسبب غلو مساكن المنشية رغم الحالة المتهالكة للبيوت، المساكن هنا غالية، مفيش حاجة اسمها عقد مفتوح، العقد مؤقت كل سنة يزودوا الإيجار، "معايا عيل عنده 26 سنة مش عارف يتجوز، بسبب إن صاحب البيت عاوز خلو 15 ألف جنيه"، أرهقت أم صابر الإجراءات الروتينية للحكومة، التي صعبت عليها إنجاز أوراق المعاش لزوجها الذي لم يستطع الخروج من المنزل هو الآخر، رغم معاناتها المرضية والحياتية إلا أن أوراقها ظلت سنة ونصف في مكاتب الدولة دون جديد.
تحكي "أم صابر" لـ"الوطن": "مدوخني مش عارفة أعمل معاش، جوزي مريض عنده 65 سنة مبيقدرش يخرج، قالولي خلي جوزك يكشف إنه مريض علشان تقبضي له، وهو عنده 65 سنة وميقدرش يروح مستشفى، ممكن يعملوله معاش من غير حاجة، الورق سنة ونص ومفيش جديد"، رغم تعبها الشديد وشبه فقدها لبصرها، إلا أنها لم تنفصل عن منطقتها وأخبارها، فرغم الأمن التي لم تستطع إنكاره إلا أنها تشهد بتداول بيع وشراء الحشيش والمواد المخدرة بين شباب المنطقة، "معندناش هنا بلطجية، عندنا واحد واقف يبيع حشيش، وشباب يمسكوا في بعضهم، شباب من الحتة عاوزين الحاجة سهلة، وكله قرش حرام".
شهد المنزل وشهدت علامات الفقر على وجه السيدة بمستوى المعيشة المنحدر، برغم كل حديثها عن جودة الأشياء الأساسية من مأكل ومشرب، وظلت يد الطبقة الثانية "الزبالين" هي المساعدة لها من حين لآخر، "الناس اللي فوق الجبل عايشين معاهم طول الوقت، بنحب بعض وبآكل وبشرب عندهم، ولما بتعب يلموا من بعض وينزلولي فلوس"، وظلت يد المساعدة تمتد من الخارج لمساعدتها في مرضها، حيث تقدم إليها طبيبة بإحدى المستشفيات علاجًا مجانًا نظرًا لغلو ثمنه، "قطرة بجيبها في الشهر مرتين بـ75 جنيه، علشان قرينة العين، دكتورة الله يبارك لها في مستشفى كل شهر أطلعلها وتديني القطرة، من غير فلوس".
"عمرو القهوجي" متمسك بحقه في الحصول على حياة نظيفة، لم يعجبه المياه التي يستمر انقطاعها طوال اليوم، وغلو المعيشة، والكد والتعب للحصول على مستلزماته الحياتية، "المعيشة هنا غالية كل حاجة غالية، الأنوبة ساعات نلاقيها وسعات منلاقيهاش، المياه هنا مبتطلعش إلا كل فين وفين، المياه هنا مبتطلعش غير آخر النهار، ممكن أقعد لحد 6 الصبح في القهوة علشان تيجيلي الميه"، عانى الشاب العشريني مثل ذوي عمره من مشكلة السكن، "المنشية كلها عشوائيات، وفي بيوت هنا، صالحلها الهدد، جايلها قرار إزالة بقاله 30 سنة وبرضه متهدش"، استمرت روايات أهالي المنطقة عن العيش وغلوه وتعبهـ، وتمسكهم بتلك الحياة، فهي بداية المطاف ونهايته بالنسبة لهم، وفي النهاية الكل يسعى لينال المزيد ويرقى بحياته.