يقف ليتحدث فينصت له الجميع، وتتعلق بخطابه أحلام البسطاء من شعبه، ويترقبه العالم بشغف، وتتداول وسائل الإعلام كلماته وكأنها جواهر ثمينة، ولا عجب في ذلك، أليس هو الرئيس الذي يقود بكلماته وعي شعبه ونظرتهم للحاضر وآمالهم نحو مستقبل أفضل ؟
ربما يفوق خطاب الرئيس التوقعات وقد يتدنى للدرجة التي تفقده هيبته أمام شعبه وتفقد شعبه الثقة فيه، فالرئيس في أعين المصريين هيبة، ولن يقبل المصريون أبدًا برئيس فاقد للهيبة، ولن يستطيع أي مصري أن يتقبل سخرية خارجية تنال من رئيسه، لا لشيء سوى أننا شعب نغار على كل ما ينتمي إلينا وننتمي إليه، نعم نحن الشعب الذى "يدعي على وطنه ويكره من يقول آمين".
هناك خطب تاريخية لا زالت تدرس لفرط رصانتها وتوازنها، ألقاها رؤساء مصريون وقف أمامهم الشعب والعالم بأكمله منصتًا وكاتمًا أنفاسه، منها الكثير من خطب الرئيس جمال عبدالناصر، فلا زلت أتذكر كيف كنا ندرس في الجامعة لغة خطاب التنحي وكيف صاغ الأستاذ محمد حسنين هيكل كل كلمة من كلماته بميزان حساس وألقاه الرئيس جمال عبدالناصر بحزن مهيب، وكذلك خطب الرئيس محمد أنور السادات، ومن أهمها خطابه في الكنيست والذي أبدع الدكتور أسامة الباز رحمه الله في صياغته، ووقف العالم بأكمله منصتًا للرئيس السادات وهو يلقيه بثقة المنتصر.
ويعد خطاب الرئيس انعكاسًا مباشرًا لاحترامه لشعبه واحترام شعبه له ومحددًا هامًا لشخصه في أعين العالم، وبدت أهمية خطاب الرئيس أمامنا بوضوح بعدما صدمنا بلغة خطاب الدكتور محمد مرسي، والتي كانت أحد أهم أسباب انصراف الجماهير عنه وسقوطه من أنظارهم وفقدانهم الثقة فيه، إن خطاباته جعلته محلا للتندر والسخرية داخليا وخارجيا، وأشعرتنا جميعا بالإحباط، وجعلتنا نتساءل هل هذه هي الصورة التي كنا نأملها لرئيسنا في هذه المرحلة الحرجة؟
هذا الإحباط الذي شعرنا به جميعا رفع سقف توقعاتنا من الرئيس المقبل، وجعلنا نأمل أن يعوضنا الله خيرًا في رئيس يرد لنا ما فقدناه من هيبة طوال السنة الماضية، إننا ننتظر رئيسًا متزنًا يحدثنا بلغة موزونة دون إيجاز أو استفاضة، رئيس لغته بسيطة وبعيدة عن المصطلحات المعقدة وبعيدة أيضًا عن الغموض الذي قد يفتح الأبواب أمام التكهنات والتفسيرات الخاطئة، إننا ننتظر خطابًا يجيب لنا عن جميع تساؤلاتنا التي طرحناها والتي لم نطرحها، رئيس يخاطب البسطاء ويواكب أيضًا عقول الخبراء، خطابه لا يخلو من ود وبسمة راقية.
إننا ننتظر رئيسًا خطابه قائم على الصراحة والمصارحة، خاليًا من التجميل والتجمل، يعترف بوجود المشكلة ويشركنا وجدانيًا في حلها، رئيسًا لديه في خطابه شجاعة الاعتذار ويتفادى اختلاق الأعذار إن لم توجد ويتفادى ذكرها إن وجدت، رئيس يتحدث لنا في أوقات الأزمات بوصفنا شركاء، لا تعنيه الخسائر المادية أكثر من الخسائر البشرية، رئيس يخاطبنا بقوة القائد وثقة الصادق، رئيس يشعرنا بقوتنا وقدرتنا على التأثير، رئيس يفتح أمامنا أبواب التغيير.