الأتراك يغزون العالم بالدراما التاريخية الكاذبة
الأتراك يغزون العالم بالدراما التاريخية الكاذبة
فى عالم يحكمه السيف ويكتب المنتصرون فيه التاريخ، من مشاعر الحماسة والعصبيات القومية فى حقبة مهمة من تاريخ العالم الإسلامى، تتلمس بعض الأيادى التركية عظمتها المفقودة فى ميادين عدة، لتخرج من ثنيات أحلامها «قيامة أرطغرل»، هذا العالم الدرامى ذو المفردات الواقعية المرتبة ترتيباً يشوبه التزييف أحياناً والتدليس أحياناً أخرى، فهو آخر تمثال تقيمه العصبية العثمانلية فى ميدان الدراما، أملاً أن يحج إليه الناس مشبعين رغبة صناع القرار فى الإحساس بأى أهمية ولو على حساب الحقيقة ووعى الشعوب.
أجزاء خمسة بدأ عرض أولى حلقاتها فى 2014 واستمرت للوقت الحالى، تناقش الأحداث التاريخية لتلك الفترة بأسلوب يتخلله تلاعب درامى واضح، حتى بات المسلسل على ضخامته فى مرمى نيران أساتذة التاريخ، متهمين أحداثه بـ«التحريف» تارة، و«عدم الدقة» تارة أخرى، ما يشكك بدوره فى مصداقية المعلومات التاريخية لتلك الفترة، ويؤثر على وعى الجمهور، بخاصة أن العمل حظى بنسب مشاهدة عالية.
"صبرى": "أرطغرل" يستند إلى قشور.. و5 أجزاء كثيرة على تاريخ الشخصية.. و"عبدالشكور": لا يمكن اعتباره مرجعاً تاريخياً.. و"الشناوى": يحتوى على إضافات مُزيفة
يبدأ الجزء الأول باشتباكات بين المغول والروم، وتأثر قبيلة «قايى» المسئول عنها «أرطغرل» بتلك المنازعات؛ وتتوالى معاناة القبيلة من الفقر والحروب، ما يضطرها للهروب بقيادة «أرطغرل»، والنزوح إلى أنطاكية، حيث يعطيهم صاحبها جزءاً من الأرض ليقيموا بها، ويبدأوا بتأسيس دولتهم، وتتوالى أحداث المسلسل فى الوقت الذى يواجه فيه «أرطغرل» صعوبات كبيرة فى مواجهة المغول، ليقوم بالاتحاد مع قبيلة أخرى بقيادة خاله كوركوت، وتندلع بينهما المشكلات بسبب مكائد زوجة خاله، وينتهى الأمر بتخطيط «أرطغرل» للهجرة إلى بيزنطة، وبعد هجرة القبيلة مرة أخرى تبدأ صراعات أخرى جديدة وتحدث محاولات لقتل «أرطغرل»، لكنه يستطيع فى النهاية السيطرة على الأمور والاستيلاء على سوق الخان وقلعة كاراجا الخاصين بالمدينة، وينتهى الجزء الرابع بوفاة «أرطغرل»، ثم يأتى مسلسل «قيامة عثمان بن أرطغرل» مؤسس الدولة العثمانية، الذى يحمل الراية من بعد أبيه وينجح فى تأسيس الدولة العثمانية واستقرارها.
على الرغم من امتداد حلقات المسلسل واحتلاله المراكز الأولى بنسب المشاهدة العالمية، رغم عدم التأكد من مدى صحة الوقائع التى يسردها، وبالرجوع إلى التاريخ، أوضح أساتذة التاريخ أنه لا توجد أى مصادر إسلامية أو بيزنطية معاصرة لـ«أرطغرل» تتحدث عن فترة وجوده، لكن هناك تفاصيل مكتوبة عن حياة «أرطغرل» فى السجلات العثمانية الأولى، التى ترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادى، لكنها تبدو فى نظر بعض المؤرخين «أسطورية إلى حد كبير»، بخاصة بعد أن أحرق «تيمورلنك»، وهو مؤسس السلالة التيمورية فى وسط آسيا، الوثائق التركية عند إغارته على الأناضول عام 804هـ الموافقة لعام 1402م، ولهذا فالوثائق التاريخية الرسمية المتبقية التى وصلتنا والمتعلقة بالفترة من نشأة الدولة العثمانية قليلة جداً وغير دقيقة، بحسب بعض المؤرخين.
يقول الدكتور محمد صبرى، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان، إن مسلسل «أرطغرل» عبارة عن دراما «مستندة إلى قشور تاريخية» ليس أكثر، وذلك باعتراف المؤرخين الأتراك، وتأكيدهم عدم وجود معلومات كافية عن تلك الفترة التاريخية، فشخصية «أرطغرل» حقيقية، لكن التفاصيل الأساسية الخاصة بالأحداث بها إسقاطات درامية مفتعلة بعيداً عن المعلومات التاريخية، فهو مسلسل «شبه تاريخى» وليس تاريخياً، لأنه معروف تاريخياً أنه لم يكتب أى مؤرخ عن تاريخ تلك الفترة من الأتراك سوى أشياء بسيطة.
وأضاف «صبرى» أن «أرطغرل» كان تابعاً لقبيلة تركية من ضمن القبائل، لكن بعدما نجح فى تأسيس الدولة بدأ الاهتمام بمشكلات قبيلته والدفاع عنها، وكل ما كُتب بالتاريخ عنه تم توثيقه بعد رحيله، وبالتالى جاءت أغلب هذه الكتابات معتمدة على «الفانتازيا»، موضحاً أن وصول العمل إلى 5 أجزاء يدل دلالة منطقية ومباشرة على أن تفاصيل المسلسل مختلفة عن الواقع بشكل واضح، مع تضخيم وتوسيع قماشة الشخصية بإسقاطات من المؤلف.
وعن كيفية مواجهة عرض معلومات تاريخية غير دقيقة للجمهور، أوضح «صبرى» أنه علينا مواجهة فكرة «غسيل العقول من الدراما التركية»، بأن نقدم تغطية حوارية تاريخية فنية واضحة، لأن النقد شىء مهم وأساسى، والوسيلة الأخرى أن ننتج أعمالاً فنية موازية لهذا التوجه، ونضع ميزانيات ضخمة لإنتاج تلك النوعية من الأعمال عبر وسائل مرئية ومسموعة، لأن الثقافة المرئية أهم من المسموعة، والجمهور أصبح يتلقى التاريخ من الدراما.
وأوضح الدكتور محمد عفيفى، رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن شخصية «أرطغرل» أسطورية لدى الأتراك، ونسجوا حولها الحكايات التى ترفعها لمرتبة القداسة لديهم، ومسلسل «أرطغرل» اختلطت أحداثه التاريخية بالأسطورة بشكل كبير، والمسلسلات التى قد تبدو تاريخية هى جزء من آلة الدعاية التركية للتاريخ العثمانى، وهناك مبالغات واضحة جداً فى تناول شخصيته. والمفترض، من وجهة نظر «عفيفى»، أن نواجه لغط عرض الأحداث التاريخية غير الموثقة بتقديم مسلسلات تاريخية عن شخصيات عربية توازن الأمر، حتى لا نكون أسرى لغزو معلوماتى من الدراما التركية دون فرز الحقيقة من الأسطورة.
من جانبه، قال الناقد طارق الشناوى إن الدراما التاريخية تخضع فى بعض الأحيان لخيال المؤلف، لكن بشرط أن يبعد عن تغيير الحقائق، لكن «أرطغرل» به إضافات مُزيفة، وهذا يعتبر بمثابة ضربة فى مقتل للدراما التاريخية، ورغم أنه استطاع أن يجذب شريحة كبيرة من الجمهور بسبب بساطة وسلاسة أحداثه، وقربها من المشاعر الخاصة بالجمهور، كعادة الأعمال التركية، فإن من يتأمل التاريخ ويكتشف الزيف يجد أن هناك مسافة تفصله عن الشاشة، ويجب أن نواجه الأمر من خلال الفن، فلا يواجه الفن إلا الفن، عن طريق وعرض مسلسلات تاريخية دقيقة التفاصيل وواضحة الهدف دون تشويش أو زيف.
وأكد الناقد محمود عبدالشكور أن العمل الفنى الذى يقدم التاريخ لا يمكن اعتباره مرجعاً تاريخياً، وذلك ينطبق على وجه الخصوص على مسلسل «أرطغرل»، فهو يأخذ من التاريخ ما يحتاجه والأمر متروك للمؤلف والفنان، لأن الفن رؤية ذاتية للتاريخ، بينما العمل التاريخى يجب أن يقدم الأحداث بموضوعية، فالفنان لا يحاسب على الأخطاء التاريخية، لكنه يستدعى التاريخ لهدف فنى، لكن فكرة أن يصل العمل الفنى للجمهور على أنه مرجع تاريخى يستقون منه معلوماتهم فهذا يُدين صناع العمل، فالنقاد والمؤرخون يجب أن يشيروا إلى أن «أرطغرل» ما هو إلا رؤية ذاتية للتاريخ، لكنه عُرض لأغراض سياسية، وعلى من يريد أن يعرف تلك الفترة لا بد أن يقرأ عنها.
ولفت «عبدالشكور» إلى أن هناك عدداً من الشخصيات يجب وضعها فى الحسبان وتقديمها خلال عمل درامى تاريخى، لمعرفة أحداث فترات مهمة من التاريخ بصورة أوضح مثل «على بك الكبير»، فهو شخص دخل فى صدام قاسٍ مع العثمانيين وله باع تاريخى ثرى بالمعلومات المهمة والمواقف الواضحة، لكن مع الأسف لم يستطع أحد من الكتاب والمهتمين بالإنتاج الدرامى أن يقدموا شيئاً عن هذا الرجل، إضافة إلى أن التاريخ المصرى ملىء بالأحداث والشخصيات الثرية.