عبدالجواد ياسين: العلمانية ليست كفراً.. والدولة بطبيعتها كيان غير دينى.. والعقل السلفى أحال «السّنة» إلى «نص مقدس»

كتب: أجرى الحوار: سعيد حجازى

عبدالجواد ياسين: العلمانية ليست كفراً.. والدولة بطبيعتها كيان غير دينى.. والعقل السلفى أحال «السّنة» إلى «نص مقدس»

عبدالجواد ياسين: العلمانية ليست كفراً.. والدولة بطبيعتها كيان غير دينى.. والعقل السلفى أحال «السّنة» إلى «نص مقدس»

رفض المفكر المستشار عبدالجواد ياسين، اعتبار العلمانية كفراً بالدين، فالدولة بطبيعتها كيان علمانى اجتماعى لا يمكن أن يكون دينياً، كما اعتبر أن مفهوم «الإصلاح الدينى» هو المصطلح الأكثر جرأة وصراحة فى تشخيص الحالة التى أصبح عليها المسلمون، وأن تجديد الخطاب الدينى يتم بالاعتماد على التدين الشعبى وتحجيم تسخين التيارات الأصولية وجماعات الظلام.

المفكر الإسلامى لـ"الوطن": نعانى من التدين المرضى.. ولدينا انهيارات أخلاقية زادت مع "التشدد"

وأكد «ياسين»، خلال حواره مع «الوطن»، أننا نعانى من التدين المرضى، والإصلاح الدينى ضرورة، والعقل السلفى أكسب الفقه صلاحيات وسلطة مقدسة للنص، وجعله ملزماً متصل الإسناد بالله، فى حين أنه واقع بشرى تاريخى، كما أن «الأزهر» يتقمص دوراً أكبر من حجمه.. إلى نص الحوار:

هل تجديد الخطاب الدينى مفهوم جديد على الأمة الإسلامية؟

- أولاً يجب أن نعرف ما هو تجديد الخطاب الدينى؟ هل يعنى تجديد المدونة الرسمية الإسلامية أى «الفقه»، أم تجديد السلوك الفكرى للمسلم، أم أننا نريد تغيير الروح العام للمسلمين جملةً أو تغيير الروح فى مجتمع معين؟ هذه كلها مستويات للتجديد الدينى، ثانياً صيغة تجديد الخطاب الدينى ترجمة لصيغة أقدم طرحت بها القضية للمرة الأولى فى منطقتنا عند نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، فى سياق ما كان يعرف بـ«النهضة»، وهنا لم يكن مطروحاً مصطلح تجديد الخطاب الدينى، بل كان المطروح الإصلاح الدينى، وهذا مصطلح أكثر جرأة وصراحة فى تشخيص الحالة التى أصبح عليها المسلمون فى المنطقة، قياساً بمصطلح التجديد الذى أعتبره مصطلحاً مخففاً وناتجاً عن ضغوط الحالة الأصولية، التى فرضت نوعاً من التخويف والإرهاب العقلى والنفسى والروحى وفرضت حساسية فى التعاطى مع الفكرة الدينية.

"البنا" قسّم الدين ذاته.. وتزاوج أفكار "قطب" والسلفية أنتج "القاعدة وداعش".. ولولا الإخوان لما ظهر "العنف باسم الإسلام"

كيف كان شكل الدعوة الأولى للإصلاح الدينى فى القرن الـ19؟

- كانت الفكرة بكل بساطة أن العالم الإسلامى اكتشف فجأة أنه دون مستوى العالم الخارجى وهو «الغرب»، وبدأ يشعر أن فكرته القديمة عن نفسه ككيان متقدم وعظيم غير موجودة، بل هناك فوارق بينه وبين المجتمعات الغربية، وأن التغيير أمر مطلوب، وأن العائق الأكبر لذلك هو الثقافة التى يمثل الدين أهم روافدها، وهناك فارق بين لحظة الطرح الأولى لسؤال التجديد واللحظة الراهنة.

وما هذا الفارق؟

- الفارق أنه فى اللحظة الأولى لدعوة الإصلاح الدينى فى القرن الـ19 كان هناك وعى بأن الحداثة مقبلة، ولم تكن هناك أى عقدة حيال الغرب ذاته، فلم يكن الغرب قد خاض بعد تجربته الاستعمارية المريرة، كذلك لم تتعرض المبادئ التنويرية التى بشرت بالحداثة لسهام النقد العنيفة، التى ستوجه إليها لاحقاً، لكن دعوتنا للتجديد اليوم تتم فى ظل عقدة الحداثة، التى نجمت عن الربط بين الحداثة والغرب، وفى ظل انتقادات عنيفة لفكرة الحداثة وجميع مفاهيمها بما فيها مفهوم العقلانية والحرية.

أيضاً، هناك فارق آخر وهو أنه خلال فترة دعوة الإصلاح الدينى فى القرن الـ19، لم تكن الحالة الأصولية قد ولدت فى المنطقة لكننا اليوم نسير فى التجديد تحت ضغوط الحالة الأصولية المتفاقمة التى أصبحت تشكل عاملاً جديداً يضغط على الروح والفكر والثقافة ويسبب حساسيات عديدة.

كل آيات القتال خاصة بفترة الرسول.. والجماعات الظلامية حولتها إلى نص مطلق.. وحروب الردة "سياسية" هدفها الحفاظ على الدولة

هل نحتاج لإصلاح فى التدين البشرى أم الدين ذاته؟

- الدين فى ذاته أمر غريزى فى الروح الإنسانية لا يمكن بحال من الأحوال التخلص منه أو تجاهله، والدين فى ذاته يتم التعبير عنه بصيغ تدين، وهذه الصيغة تأخذ شكلاً فردياً أو شكلاً جماعياً، وتأخذ شكلاً نظرياً وهو المدونة الرسمية «الفقه الإسلامى البشرى»، إضافة للتدين الشعبى، فحين نتحدث عن الإصلاح الدينى أو التجديد الدينى، فنحن نتحدث عن تحويل فى النظام الدينى، ويجب أن ندرك أن النظام الدينى نظام اجتماعى بالضرورة، وبالتالى تجديد الخطاب الدينى يعنى تجديد التدين البشرى.

يخلط البعض بين الثابت والمتغيير فى الدين.. فى نظرك ما الثابت وما المتغير؟

- الدين هو الفكرة المطلقة المتعالية التى تتلخص فى أمرين محددين، وهما: الإيمان بالله والأخلاق الكلية، وما عدا ذلك هو تدين، وهو شأن بشرى اجتماعى تاريخى مرتبط بالبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو قابل للتغيير، فالدين الذى لا يتغير هو الإيمان بالله والأخلاق، والطرح الذى تقدمه المؤسسات الدينية الرسمية يتحدث عن تفاصيل مقبلة من التدين الاجتماعى الذى تمت صناعته فى عصر التأسيس، مصبوغاً بصبغة قدسية، فإذا كنا نرغب فى تجديد الخطاب الدينى فإننا نحتاج لتغير جذرى فى نسق التدين الكلى العام، وليس على مستوى الحلول الفقهية التفصيلية.

الصراعات السياسية تحولت إلى نصوص دينية وفقه مذهبى انضم لبنية الدين.. والشريعة قانون قابل للتغيير بتغير الظرف الاجتماعى

يعتبر رجال الدين السنة النبوية أمراً مقدساً لا يمكن المساس به.. هل تقبل ذلك؟

- هناك إشكاليات تتعلق بمفهوم السنة، فتاريخياً ما حدث فى الإسلام أنه تم تجميع عدد كبير من الروايات، وتم وضعها فى موضع القدسية كالنص القرآنى، فروايات الآحاد هى روايات إخبارية متعددة ومتنوعة تعكس الأعراف الاجتماعية القائمة فى عصر التأسيس حيث تم جمعها وإسباغ قدسية النص الإلهى عليها، ألحقت بالنص التأسيسى وهو القرآن الكريم واكتسبت صلاحيات هذا النص القرآنى الذى يمثل السلطة الدينية المطلقة، وهذا هو الدور الذى لعبه «الشافعى»، فالسنة صارت مكافئة لحجية النص التأسيسى وهو القرآن الكريم، وهو مفهوم لم يكن قائماً حين توفى النبى المؤسس، حيث كان هناك نص مقدس واحد.

لكن الأزهر وهو المؤسسة الدينية الرسمية ينتقد الحديث حول عدم قدسية السنة؟

- هذا ميراث العقل التقليدى السلفى، القائم على التقسيم الرباعى الشافعى، وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم جميع المصادر اللاحقة غير النصية التى لا ترتبط بالوحى الإلهى بطريقة مباشرة، لكنها اجتماعية بشرية صنعها الفقهاء والمجتهدون وصنعها التاريخ الاجتماعى، فهى ليست فى الحقيقة ملزمة، واستخدم فى سبيل تكريس ذلك مفهوم السنة، فمفهوم السنة مفهوم اجتماعى لاحق على البناء الأصلى الذى تركه الرسول المؤسس، حيث ترك المفاهيم الأصلية فى النص التأسيسى وهو القرآن، وللأسف تم إنشاء نص جديد تحت مسمى السنة وأخذ حجية القرآن، ثم ظهرت الشروح اللاحقة التى وضعها الفقه وعلم الكلام والتفسير والأصول، التى كونت ثقافة متراكمة فوق أنفاس النص المقدس، وهذه الثقافة الجديدة التى تكونت أضيفت إلى متن النص الأصلى وشكلت بنية دينية أوسع هى من صنع البشر، فكل ذلك موروث دينى، لكن الدين فى جوهره الحقيقى هو الإيمان بالله والأخلاق الكلية، وما عدا ذلك اجتهادات بشرية من صناعة مرحلة التأسيس.

النص القرآنى المقدس فيه ثوابت مثل الأخلاق والإيمان بالله فيه متغيرات منها الأحكام الشرعية.. والتجديد يتم بالاعتماد على التدين الشعبى وتحجيم جماعات الظلام

هل الفقه الإسلامى فقه سياسى خاص بفترات زمنية محددة؟

- ممارسة التدين تؤدى لظهور حاجات دينية جديدة ناجمة من السياسة بالدرجة الأولى، فالسياسة تسبب حراكاً مثل ما حدث فى السياق الإسلامى، حيث نشأت فرق سياسية تتنافس وتحاول إسناد كل خلافاتها السياسية إسناداً دينياً، فتنشأ حاجات لاهوتية تشريعية جديدة، يتم التعبير عنها عن طريق التنصيص، وهذا حدث بعد وفاة الرسول، حينما بدأ الصراع على السلطة فى السقيفة، بمناسبة اختيار خليفة يخلف النبى المؤسس فى السلطة، وهناك بدأت إشكاليات سلطة ثم تمت تهدئتها نسبياً حتى انفجرت مرة أخرى مع الفتنة الكبرى، وحدث افتراق سياسى تم التعبير عنه دينياً فى صورة مذهبية تختلف نصوصها لتعبر عن حاجاتها الدينية الجديدة، فالاجتماع السياسى ينشئ اجتماعاً دينياً ونصوصاً دينية، وينشئ فوق النصوص تفسيرات دينية وشروحاً ثم كتابات ثم تتحول الشروح والكتابات إلى مدونات وفقه مذهبى، كل مذهب يشرح نفسه ويعرض نفسه فى إطار تنافسى وتتضخم البنية الدينية، ويصبح لدينا آلاف من الكتب والمفردات والسياقات تضاف إلى بنية الدين الملزم بعد أن ترك الرسول القرآن يقول كلام إيمان محدداً جميلاً.

وكيف ترى نظرية «الناسخ والمنسوخ» فى القرآن؟

- النسخ ثابت وهو بالنسبة لى يعبر عن حقيقة التدين الاجتماعى، فهو يشير إلى أن التشريع والأحكام التى تتعلق بالشريعة هى أحكام قابلة للتغير فى المدى القصير بسبب التغير الاجتماعى، فالنسخ يعنى أن هناك حكماً نزل وهناك حكماً جديداً نزل غير الحكم القديم، وهناك سؤال لماذا الحكم الأول تغير؟ ليس لأن الله يريد أن يغير الأشياء ولكن لأن المجتمع يتغير، وبالتالى هذا دليل على أن الشريعة والتشريعات الإسلامية قانون متغير بحسب الاجتماع البشرى ولا يمكن تجميدها بسبب ورودها فى النص المقدس، فالنص القرآنى المقدس به ثوابت متعلقة بالله والإيمان والأخلاق، وهناك متغيرات، وهى كل الأحكام التشريعية، فهى قابلة للتغير لأنها بطبيعتها قانون، والقانون بطبيعته يتعاطى مع مفردات الواقع اليومى الفردية التفصيلية التى لا تقبل الثبات، فهى متغيرة بطبيعتها، وتقبل التغير كلما تغيرت الظروف ولا يعنى ذلك خروجاً من الدين.

النظام الاجتماعى عند لحظة معينة يصبح غير قادر على تحمل إكراهات النظام الدينى.. والفقه موروث تاريخى واجتماعى ولا يمثل الدين نفسه

نعود للموسوعات الفقهية مرة أخرى.. كيف يمكن معالجة الإشكاليات القائمة بها؟

- التراث الفقهى البشرى تاريخ، ونضع لأنفسنا اجتهادات بشرية جديدة، فالملزم فى الدين هو الثوابت التى تمثل جوهر الدين التى بطبيعتها ثابتة، أما الفقه فيتعامل مع المفردات التفصيلية اليومية، فالواقع الاجتماعى متغير، فلا يمكن تطبيق القانون الفرعونى أو قانون نابليون، فتلك قوانين مناسبة لعصرها، فالشريعة قانون قابل للتغير مع الزمان، وكونه وارداً فى النص المقدس لا يغير من طبيعته كقانون، ومن المعلوم أن العقل الدينى فى الديانات الثلاث عقل سلفى تراثى ينشئ تراكمات ثم يضيفها إلى النص الدينى، ومن هنا يكتسب الفقه صلاحيات وسلطة النص وينصب نفسه نصاً مقدساً ملزماً متصل الإسناد بالله فى حين أنه واقع بشرى تاريخى.

رجال الدين سيرفضون بالتأكيد اعتبار الشريعة قانوناً قابلاً للتغير؟

- الدين كعقيدة هو تجربة ذاتية فردية تتعلق بالروح الداخلية للإنسان، أما الشريعة الممثلة للقوانين فمتغيرة بحسب الظروف المجتمعية، فلو الظروف تغيرت تتغير الأحكام، ومن الطبيعى أن يرفض رجال الدين الممثلون للأصولية التغير، لذلك يجب مواجهة تلك الأصولية، فالتجديد الدينى موجه بحد ذاته ضد السلفية الأصولية، فهناك مستويات للسلفية، هناك سلفية متطرفة أصولية بحتة، وهناك سلفيات تبدو أقل سلفية، فهناك درجات للعقل السلفى ذاته، وهى شرائح متنوعة، وكلها ترفض الحداثة والتطور الذى هو قانون إلهى، فالعالم يتغير، والثقافة والوعى والعقل البشرى تتغير، فالعقل البشرى يفكر اليوم بطريقة تختلف عن طريقة التفكير القائمة منذ 100 عام، فالتطور العقلى والثقافى يفرض تغيرات معينة وهى تفرض نفسها على النظام الدينى، لذلك نجد أنفسنا نطالب بالإصلاح الدينى والتجديد لأنه عند لحظة اجتماعية معينة يصبح النظام الدينى غير قادر على إشباع حاجات النظام الاجتماعى، والنظام الاجتماعى غير قادر على تحمل إكراهات وعبء النظام الدينى.

قلت فى حديثك إنك ترفض وصف المؤسسة الدينية الرسمية؟

- الإسلام ليس به كهنوت خلافاً لليهودية والمسيحية، فلا توجد مؤسسة دينية مفوضة بنص إلهى، فالكهنوت أو المؤسسة الدينية سابقة فى وجودها على الأديان الكتابية الثلاث، وكانت وظيفتها الاتصال بين الآلهة والبشر، وحينما بدأت اليهودية كرست الهيكل والمعبد كجزء من بنية الديانة، وكذلك المسيحية كرست الكهنوت، فكانت وظيفة المؤسسة الدينية فى المسيحية واليهودية أنها تمثل الديانة وتحرس الدين وتخدم الشعائر والطقوس، وفى العصور الوسطى وما قبل الحداثة شهدنا المؤسسة الدينية المسيحية لعبت دوراً طاغياً فى الحياة الاجتماعية والسياسية، واستولت كلياً على المجال العام والدولة وسيطرت على المجال الخاص للأفراد، وتسبب ذلك فى دخول أوروبا «عصور الظلام»، أما الإسلام فلا يوجد بالنص أى كهنوت، ولم يسند لأى مؤسسة حماية الدين وحراسته، ولا تمثيل الديانة، ولا خدمة الشعائر.

ماذا تغير بعد وفاة الرسول؟

- بدأت الدولة السنية، ممثلة فى الخلفاء وأمراء المؤمنين، الذين أمموا الدور التقليدى للمؤسسة الدينية، وتقمصت دور الكنيسة بعد أن أسند إليها الفقه حماية وحراسة الدين، وتمثيل الديانة، فأصبح فى الإسلام دور للمؤسسة الدينية الكهنوتية تلعبه الدولة السنية، فالمؤسسة موضوعياً موجودة من خلال الدولة لكن عضوياً لم تكن موجودة، فالنص لم يعط لأحد تفويضاً لحراسة الدين لكن التاريخ والفقه أسندا ذلك للدولة، وظل هذا الوضع قائماً حتى ضعفت الدولة السنية وتحول الفقه لمؤسسة معنوية، وحل محل الدولة السنية فى حراسة الدين وحمايته، ومع ظهور الدولة الوطنية الحديثة استلحقت مؤسسة الفقه من خلال الفقهاء فى جهاز الدولة كالأزهر فى مصر والزيتونة، والقيروان، وباستلحاق الفقهاء بالدولة اكتسبت منظومة الفقه للمرة الأولى فى السياق السنى قواماً مؤسسياً بالمعنى البيروقراطى، وفى هذا السياق الأزهر لا يمتلك تفويضاً من القرآن لكى يحمى الدين ويتحدث باسمه، وهو ليس مؤسسة دينية بالمعنى الضيق.

البعض يرى أن العلاقة بين الأزهر والدولة اليوم فى خلاف.. كيف ترى ذلك؟

- الأزهر فى المرحلة الحالية يتقمص دوراً أكبر من حجمه، ويستغل الصعوبات السياسية التى تواجهها الدولة، لتكريس بعض الصلاحيات الطارئة التى أضفيت عليه فى لحظة إخوانية بعد الأحداث المتوالية فى مصر، وهو يستغل الصعوبات التى تتعرض لها الدولة على مستوى العلاقة مع الإسلام السياسى لاكتساب صلاحيات مؤسسية غير مفوض بها وغير مؤهل لها، فالمسألة -فيما يبدو- تتعلق بطموحات طارئة تتقمصها المشيخة.

لدينا 120 ألف مسجد على مستوى الجمهورية.. كيف ترى دورها فى دعم الدولة؟

- للأسف الحالة الأصولية المتفاقمة فى مصر تسخن التدين المرضى، هناك غلو فى التدين المرضى صار يؤثر على النمط الشعبى الموروث تاريخياً، الذى يتسم بالاعتدال فى التعامل مع الفكرة الدينية، فلم تؤد الأصولية إلى تصعيد أخلاقى، بل لدينا انهيارات أخلاقية، وتحوَّل التدين إلى تدخل شمولى كاسح فى العلاقات الاجتماعية، ويلزم تبريد حالة الهيجان الدينى القائمة.

ماذا تقصد بالتدين الشعبى؟

- التدين الشعبى هو تدين الناس العاديين فى الشارع، تدين آبائنا وأمهاتنا وجداتنا، توجد دوائر متعددة للتدين: هناك أولاً دائرة التدين الرسمى المدونة فى كتب الفقه، وتقابلها دائرة التدين الشعبى الاعتيادى التى لا تتطابق معها تماماً، هناك على الدوام فجوة طبيعية بين تدين الكتب وتدين الناس، ثم هناك دائرة التدين الأصولى التى تفترض إمكانية إلغاء هذه الفجوة، فهى تزايد على التدين الشعبى، وتتبنى الخيارات الأكثر تشدداً لدى المدونة المكتوبة، وتنظر بتوجس لتدين الهيئات الدينية الرسمية.

التدين الشعبى بتكوينه الطبيعى لديه قدرة على استيعاب أحكام المدونة وتطويعها لحاجاته التى يفرضها الواقع، وهو أسرع استجابة لمثيرات التطور، وأعمق رفضاً للتطرف الأصولى.

فى عملية التجديد الدينى يلزم استعادة روح التدين الشعبى ولجم حالة التسخين والغلو القائمة التى تشيعها التيارات الأصولية وجماعات الظلام، وفى هذا السياق يلزم استعادة الدور التحفيزى الثقافى للدولة.

وماذا عن الجماعات الإسلامية؟

- الجماعات الدينية كالإخوان وغيرها، عبارة عن أنساق تدين لا تتوافق مع المؤسسات الرسمية، لاعتقادهم أن المؤسسات الرسمية «علماء السلطان»، كذلك تحتقر التدين الشعبى لظنهم أنه دون مستوى التدين وأنه لا يتماشى مع الفقه، وموقف الجماعات الإخوانية وغيرها من الفقه الاعتماد على الخيارات الفقهية الأكثر تشدداً، التى لا تمثل النسق الوسطى المعتدل فى الفقه، فتأخذ الرؤى المتشددة، فالتشدد الأصولى المعاصر بدأ مع حسن البنا والإخوان، فالبنا قسم الأمة نوعين وقسم الإسلام إسلامين، إسلاماً قوياً وإسلاماً ضعيفاً يحتاج لتقوية، فقام بتقسيم الدين ذاته.

وماذا عن سيد قطب وأبوالأعلى المودودى؟

- «قطب» و«المودودى» جيل رأى أن جماعة البنا ليست أصولية كفاية، وخرج بفكر يزايد فى التشدد ويرفض الدولة، فنتج عنه فكر امتزج بـ«السلفية»، وتزاوجت الأفكار القطبية مع الأفكار السلفية ونتج عنها الجيل الثانى من التشدد وهو القاعدة والجهاديات الأكثر عنفاً وتكفيراً، ثم الجيل الثالث وهو داعش والنصرة وغيرها، فلولا الإخوان لما خرج لنا القاعدة والجهاديون والعنف باسم الدين الإسلامى.

الجماعات الإرهابية تعتبر الفترة «المكية» فترة ضعف وأنه يجب التعامل بالاستعلاء بالدين وأن أصل الدين الغزو والسيطرة؟

- كل آيات القتال فى القرآن كانت تعبر عن مضمون سياسى ومرحلة فى تاريخ الجماعة المسلمة الأولى فى عهد الرسول، فهى أحكام وقتية لفترة الرسول، لكن ورودها فى النص مع العقل الفقهى حولها لمطلق مقدس مؤبد فى الزمان، فآيات القتال كانت تعبر عن الحراك السياسى للجماعة المسلمة الأولى، ثم تحولت إلى نص مطلق ملزم.

إذن كيف ترى حروب الردة بعد وفاة النبى الكريم؟

- هى حروب سياسية، وهى امتداد لمشروع الدولة وليس الدين، فالدولة كيان اجتماع طبيعى، ولها غريزة تحكمها ولها أهداف خاصة ليست هى أهداف الدين، فهدف الدين هو إشباع الروح وإقرار الأخلاق، فحروب الردة فعل المشروع السياسى للدولة هدفه الحفاظ على الدولة وليس الدين، كذلك كل الصراعات التى حدثت فيما بعد صراعات جرى تلبيسها بالدين.

هل الدين يرفض العلمانية؟

- العلمانية ليست كفراً بالدين، والدين لا يتعارض مع العلمانية فى شىء، فالدين فى ذاته -وهو المطلق الإلهى- يترك الاجتماع للبشر لضبط أمورهم بأنفسهم، والمفهوم الجماعى للدين بأن يكون شريعة سياسية مفهوم تاريخى وليس من جوهر الدين، فيجب أن نفرق بين الدين والتدين، فالدولة كجهاز إدارى وسياسى يحكم المجتمع، الدولة بطبيعتها كائن علمانى اجتماعى لا يمكن أن يكون إلا كذلك، لا يمكن أن تكون دينية، لكن المجتمع يمكن أن يكون دينياً، لأن البشر بطبيعتهم ينزعون للتدين.


مواضيع متعلقة