صيامنا.. وبهجتنا.. محشى وبط وفطير ببلاش: «هنحتاج الفلوس فى إيه؟»

كتب: محمود الحصرى

صيامنا.. وبهجتنا.. محشى وبط وفطير ببلاش: «هنحتاج الفلوس فى إيه؟»

صيامنا.. وبهجتنا.. محشى وبط وفطير ببلاش: «هنحتاج الفلوس فى إيه؟»

يعيش حوالى 60% من سكان المحافظة فى مناطق ريفية، فى ظل ضيق ومحدودية مساحة الرقعة الزراعية، بشكل انعكس على طباعهم وأكلاتهم، ما جعل الأهالى دائماً ما يحاولون التغلب على أزمات الغذاء بتعلم كيفية تخزين المحاصيل التى تكفى لفترة طويلة تحسباً لتقلبات الزمن، سواء فيضان كبير يغطى الأرض أو قحط يطول القرى، وكانت المعاملات المالية تقتصر على شراء ما لا يستطيع إخراجه من الأرض، مثل الشاى والسكر والملابس، وبذلك بدا مواطنو المنوفية بخلاء أمام أصحاب محلات البقالة، طعام متنوع جميعه مرتبط بالأرض الزراعية وإنتاجها مثل الفطير المشلتت والجبنة القديمة والعسل الأبيض والطواجن بأنواعها، أو كما يطلق عليها أهل المنوفية «البرام».

عبدالحميد محمد، 33 سنة، من أهالى مركز شبين الكوم، أكد أنه لعقود طويلة، ظلت منازل أهالى المنوفية تحقق الاكتفاء الذاتى من أغلب الاحتياجات، مثل القمح والذرة واللبن والقشطة والسمن الفلاحى والزبدة، بالإضافة إلى كافة أنواع اللحوم الجاموس والأبقار والخراف والدواجن والبط والوز وكذلك الأرانب، متسائلاً «لما يكون عندى كل ده هحتاج الفلوس فى إيه؟»، وأضاف أن المعاملات المالية كان أهل الريف يتغلبون عليها بالمقايضة، مضيفاً: «أتذكر أيام جدى ووالدى قبل سنوات طويلة كان شراء مستلزمات المنزل والحلاقة يتم بالمقايضة بكيزان الذرة وصفيحة القمح، وكان أهالى القرية يمتلكون جميع خيرات الله فى البيت أو الدار ولكن الحال تغير كثيراً، فأصبح من ينتج القمح يقف فى طوابير العيش أمام المخابز، واختفت تربية الطيور المنزلية من البيوت بسبب انتشار المبانى الخرسانية».

وعن أكلات أهالى المنوفية فى رمضان يقول عبدالكريم طمان، من أهالى شبين الكوم: «أصبح من المعروف أن أول يوم فى الشهر الكريم يكون وليمة تجتمع عليها كل عائلة وأسرة، خاصة فى القرى فى عادة نادراً ما يتم تجاهلها، كما أن إفطار اليوم الأول عادة ما يكون محشى وبط وفطير، وتستطيع أن تلحظ ذلك من خلال روائح الطعام المنبعثة من المنازل قبل أذان المغرب وكذلك مشهد الأهالى المتوجهين إلى منازل عائلتهم وعادة ما يكون ذلك بعد أذان العصر، للإفطار فى أول أيام الشهر الكريم، وهذه العادة هى إحدى المناسبات القليلة التى تكون فرصة لتجمع العائلات بالإضافة إلى الأعياد والمواسم».

الأمر لم يتوقف عند الزمن القريب بل امتد لرواية مؤرخ إنجليزى يدعى «ألفريد جاشوا بتلر»، الذى جاء إلى مصر لتعليم أبناء الخديو توفيق، وكتب كتاب الحياة فى البلاط الملكى المصرى ووثق زيارته إلى المنوفية عام 1884، وقال فى كتاباته عن المنوفية: «كانت إقامتنا فى شبين الكوم أفضل نسبياً، فعلى الأقل استمتعت بالتنزه فى ظلال بساتين الريف المنعشة التى تضم الخوخ والتين والبرتقال، وبعدها ذهبنا إلى الشهداء واحتفى بنا على العشاء رجل من الأعيان يُدعى على شعير، اصطحب الخديو كبار رجال الحاشية: طلعت باشا، خيرى باشا، زكى باشا، راشد باشا، مصطفى باشا وجودار بك. كنت أنا الشخص الوحيد بين تلك الصفوة المذكورة الذى لا يحمل ألقاباً غير السيد»، ويضيف المؤرخ الإنجليزى: «لم تكن هناك أطباق أو شوك أو سكاكين أو أكواب، بل ملعقة واحدة لكل فرد، قدموا لنا الطعام على صينية كبيرة ومستديرة، ثم توالت الأصناف على وسط المائدة، وتعددت بعد ذلك الأطباق حتى وصلت إلى عشرين طبقاً: خرشوف فى الزيت، فطائر ملفوفة، طيور مسلوقة، بامية، حلوى شعبية يصعب وصفها «أرز معمر»، كعكة مزينة بحلوى فضية (محشى) طيب الطعم، حمام مع بسلة خضراء عائمة فى السمن، دجاج، كوارع، نوع آخر من الملفوف، قطع متبلة من الطيور فى المرقة والإدام، نوع آخر من الكعك لحوم إضافية بسكويت اللوز، شربات الورد وأخيراً الشمام والفراولة. يا لها من وجبة مذهلة. وعرفت أن أهل هذه المنطقة من صفاتهم الكرم».


مواضيع متعلقة