م الآخر| حمدين صباحي.. الرئيس المشتاق

كتب: طه مهدي

 م الآخر| حمدين صباحي.. الرئيس المشتاق

م الآخر| حمدين صباحي.. الرئيس المشتاق

إذا قرأنا الأحداث الأخيرة قراءة متأنية وبحياد وإنصاف، سيتضح لنا عدة حقائق البعض منا لن يرغب في مواجهتها، والبعض الآخر سيسلم بها، وبالتالي لن يرى تفاصيلها، وقلة قليلة هي التي ستقف عندها. أولاً: فيما يتعلق بالمشير "مشروع الرئيس واضح المعالم"، في الذكرى الثالثة لثورة يناير خرج الكثير من المواطنين لتأييد ودفع هذا الرجل إلى كرسي الرئاسة على اعتبار أنه المنقذ، أو ربما أملًا في استعادة فكرة "الرئيس الزعيم"، وعلى الرغم من أن معظمنا يراهن على وطنيته وحرفية هذا الرجل، إلا أن الإعلام قد أفسد على المؤيدين رغبتهم العفوية عندما تبنى حملة تبدو وكأنها ممنهجة للدفع والتعبئة، وذلك منذ ثورة 30 يونيو، في حين أن أفعال هذا الرجل ما كانت في حاجة إلى هذه "الزفة الكدابة"، بل على العكس فهذه الحملة الإعلامية "العبيطة" كانت سببًا في إغفال العقبات التي من الممكن أن تعكر صفو المستقبل، ومن أهم هذه العقبات أن هناك فصيلين أحدهما معارض لحكم العسكريين "من بابه"، والآخر معاد لشخص هذا الرجل على اعتبار أنه صاحب الانقلاب المزعوم، وفي الحقيقة لا يجب أن نتجاهل هذين الفصيلين، إن كنا نتحدث عن ديمقراطية حقيقية وليست تفصيل. وبافتراض أن المشير، خاض التجربة وفاز بالمقعد، فمن المؤكد أنه سيواجه واقع مزعج على المستويين الخارجي والداخلي، فخارجيًا ومن الناحية النظرية، سيؤكد على الكذبة التي يريدون أن يصدقونها وهي كذبة "الانقلاب". أما داخليًا.. فمازالت المعارضة، حتى الآن، في شتات، ولكن بعد أن يصبح المشير رئيسًا سينضم الفصيل الرافض لحكم العسكريين، دون اتفاق، إلى الفصيل المُعاد للاستقرار وشخص المشير، وفي هذه الحالة ستتشكل كتلة معارضة واضحة المعالم وحتمًا ستنغص حياة الرئيس وحكومته. أما على الجانب العملي، فإن هذا الرجل على موعد مع دستور "كارثة"، دستور أصرف كثيرًا في الوعود في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من ندرة الموارد وكثرة الديون، وبالتالي سيواجه صعوبة في الوفاء بما ورد في هذا الدستور من التزامات، ما قد يؤدي إلى حالة من السخط في صفوف المؤيدين، ويارب يعيش لنا رئيس. ثانياً: فيما يتعلق بالأستاذ حمدين صباحي "الرئيس المشتاق" في سباق الرئاسة الماضي، وبحماس غير محسوب منحت ثورة يناير المركز الثالث لـ"صباحي"، فظن أنه بذلك قد اقترب من منصة التتويج، وبالتالي فقد اتخذ قراره بأن يشترك في الماراثون القادم لعله يتوج هذه المرة. ولكن ما هي فرص نجاح هذا الرجل، هل ستكون مقومات نجاحه مجرد فكر استاقه من زعيم راحل، أم حنجرة مناضلة تطلق الشعارات والعبارات المنظومة، والتي تعيدنا إلى عصور الخطابة، أم دغدغة مشاعر الفقراء وتسييل لعابهم بكثرة وعوده التي لن تكفيها موارد الدولة التي يرغب في حكمها. من المؤكد أن صباحي ظلم نفسه عندما تبنى فكرًا لم يخترعه، فكرًا نشأ في بيئة مختلفة، ومع ذلك لن يستطيع صباحي أن يلبي طموحات 90 مليون مواطن لغياب الظروف والمعطيات التي نشأ فيها هذا الفكر، فلكل زمان أدواته وظروفه، فالوضع في عصر عبدالناصر كان مختلفًا، وكانت هناك موارد كثيرة وعدد سكان أقل، ودولة زراعية أراضيها شاسعة، ومواردها المائية تفيض عن حاجتها، واقتصاد أدواته مختلفة، حتى السياسة والعلاقات والتوازنات الإقليمية كانت مختلفة. لقد فات على حمدين أن بوفاة "مرجعه" الزعيم جمال عبدالناصر، قد خلت البلاد العربية تمامًا من هذه النوعية من الزعامات، وفات عليه أيضًا أن يطرح علينا نفسه "يرمي بياضه يعني" ويقنعنا بفكر من اختراعه هو، خاصة وأننا مقبلين على التعامل مع كائن جديد اسمه الديمقراطية، ولكي يعيش هذا الكائن بصحة جيدة، يجب أن ننتشل هذا الشعب من مستنقع التبعية ومسؤولية الدولة عنه وكفالته وإعانته، فكل هذا يرسخ للتبلد والتنطع والتسول. وأخيرًا.. لقد أحرق حمدين نفسه بمشروعه النبيل "المستنسخ" والذي لا يناسب هذا الزمان لمثاليته وندرة الموارد، ولذلك يجب أن يحافظ على أحباله الصوتية المناضلة التي قطعت بسكين الإعلام وبكثرة ظهوره وتصريحاته المترددة.