بروفايل/ "البنا" ... ذلك القديس

كتب: صلاح الدين حسن

بروفايل/ "البنا" ... ذلك القديس

بروفايل/ "البنا" ... ذلك القديس

أشعل عود ثقاب ووجهه إلى طرف ورقه مسكت بها يده الأخرى، حتى إذا دبت النار فيها أشعل بها كومة من الأوراق مكتوب عليها أشعاره، وتوجه مسرعاً إلى مكتبته الصغيرة وأتى بكشكول يحوي بين جنباته روايته الأولى والأخيرة وقذف به في أتون اللهب وأخذ يردد " وإني وإن كنت الأخير زمانه لأت بما لم لا يستطيعه الأوائل" .. صمت برهه وقال : " وداعاً للشعر" استعر أوار الحرب العالمية الأولى، وبدا في الأفق هزيمة وشيكة للإمبراطورية العثمانية .. كان يستمع إلى والده الشيخ عبدالرحمن وهو يتحدث واضعا عدسة مكبرة على إحدى عينيه ومستغرقا في اصلاح ساعة موضوعة على منضدة خشبية: إلا متى تظل الأمة الاسلامية في هذا الضعف والهوان؟ وعلى وقع الموسيقى المنبعثة من "الجرامافون" قال الشيخ زهران : لم نكن نسمع عن كل هذا الفحش والفجور إلا بعدما دخل الانجليز إلى هذه البلاد، إنهم كفار. سأل "حسن" شيخه زهران بعد أن قرأ عليه ورد من القرآن يا سيدنا هل الانجليز كفار قال نعم ونحن المؤمنين. كان أول ما فعله الصغير هو تكوين مجموعتين من أصدقاءه الصغار جعل من المجموعة الأولى جيش كفار ومن المجموعة الثانية جيش المؤمنين ونسي الفريق المؤمن أنها تمثيلية وطاح بالفريق "الكافر" ضرباً مبرحاً حتى سالت الدماء. شكل هذا التقسيم عقل ووجدان حسن البنا الطفل .. فريقان واحد مؤمن وواحد كافر.. ترتب على ذلك تطور بدا حتميا لأساس الفكري السابق هو تشكيل جماعة من الصغار تفرض على المجتمع تصورها هي للحياة وللدين وللسياسة على اعتبار أن ذلك التصور هو أصل الاسلام ومادة الدين. يروي حسن البنا في مذكراته "الدعوة والداعية" أنه جمع مجموعة من أصدقائه المقربين واقترح عليهم تشكيل جماعة "سرية" للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال بعض منهم نحن صغار لن نستطيع الوقوف في وجه كبار القرية وسادتها فرد قائلا " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" كما حدد الهدف من إنشاء المجموعة قائلا يجب علينا أن ننذرهم ونحذرهم حتى يقعلوا عن ارتكاب المحرمات. وشرعوا بالفعل في جمع المعلومات في المشتبه في أنهم "يعصون الله" حتى وصل الحد لاختراق حياتهم الشخصية، فهذا تزوج على أمرأته ولم يعطها حقها وذاك أكل حق أولاد أخيه اليتامى. إلا أن الأخطر كان اتباع الطفل منهج السرية منذ نعومة أظافره، وارسال خطابات لمن يرى أنهم "عصاة" موقعة بتوقيعات مجهولة ينهاهم فيها ويؤمرهم وأمر مجموعته بألا يقفوا مع بعضهم البعض أمام أعين الناس حتى لا ينكشف أمرهم. وعندما انتقل الى تأسيس "جمعية الأخلاق الحميدة" أصر على أن تكون سرية مستندا على أن الرسول(ص) بدأته دعوته في السر وأن ذلك جائز شرعا .. وشرع في تنظيم جماعته إلى "شعب" فشعبة منوط بها جمع المعلومات عن "الفاسقين" وشعبة مهمتها كتابة الانذارات اليهم وأخرى مهمتها جمع "الاشتراكات" وعرف "الطفل" جمع الأموال على سبيل التبرع للدعوة مبكرا حتى لفت ذلك انتباه شيخه محمد زهران فحذره من ذلك وعندما أجابه "البنا" بأنه عليك ألا تقلق من ذلك متعللا بأن هناك رقابة على الأموال فأفحمه الشيخ قائلا: وانت من يراقبك؟ في أحد رسائله الانذارية التي بعث بها الطفل "حسن" إلى أحد التجار في قريته كتب فيها : " أيها الكهل العجوز المتصابي، نحن نعلم عنك كل شيء انت تحدث النساء من زبائن الدكان، بما لا يليق وكلامك معهن فيه خروج عن الأدب ونظراتك إليهن فيها فجر وقبح فإن لم ترجع عما تفعل أصابك منا مالا تطيق.." ووصلت التحذيرات إلى الحد الذي تجرأ فيه البنا على ارسال رسالة إلى شيخه "زهران" ملفتا انتباهه أنه يصلي بين سواري المسجد وأن ذلك حرام شرعاً، وقرأها "البنا" على الشيخ نفسه على اعتبار أنها مرسلها مجهول فقال الشيخ له وهو يحاوره : من أرسل هذه الرسالة في قلبه قسوة وفي نفسه غرور ومن كتبها لم يقدر أن شيخ كفيف لا أرى ولا أحسن اختيار مكان الصلاة وأنه ليس على الأعمى حرج ومن لا يعذر صاحب العاهه إذا وقع خطأ منه بسببها سيكون قاس القلب فاشل الفؤاد ومن الواضح أن مرسل هذه الرسالة يأخذ بظواهر الأشياء لا بجوارها. وأمطر "زهران" " الطفل" وابلا من الدروس والعظات مستشهدا بآية " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم" وأن النبي (ص) نهى عن التجسس والتفتيش ونهى عن تتبع عورات الناس. ويبدو أن البنا سعى منذ نشأته إلى أن يخلق من نفسه زعيم وإن توارى ذلك خلف ادعائه بانه كان يرغب في هداية الناس . القاهرة مثل الفرس البري بجمالها، وجموحها، فهي مدينة التقوى والفجور في ذات الوقت، ومن يريد العيش فيها فعليه أن يكون كمروض الخيول، إما أن يمتطي ظهرها أو أن تضربه برجلها ضربة لا يقوم بعدها" كانت ثنائية القرية والمدينة والكتاب والجامعة ... وكلية دار العلوم التي جمعت بين الحداثة والأصالة.. رأى وهو القروي ابن الكتاب مظاهر المدنية في القاهرة، فرأى منه فسق وفجور تجب محاربته ففي رسالته لأحمد السكري يقول : " أما معسكر الاسلام الفاضل فهو في تحلل وانكماش أما الصحف والمجلات فتنشر الأفكار السامة التي تهدف إلى اضعاف أثر الإيمان " بدأ حشد الأنصار حوله مستندا على تحريك عواطفهم الدينية مستخدما الأثر الذي تركته سقوط الخلافة العثمانية في نفوسهم ومظاهر التغريب التي تفشت في البيئة المصرية.