إسماعيل النقيب.. مشوار حتى الآخرة

كتب: أحمد منعم

إسماعيل النقيب.. مشوار حتى الآخرة

إسماعيل النقيب.. مشوار حتى الآخرة

فى حلقات الذكر الصوفى، داخل أضرحة «أولياء الله» شب الطفل القروى وسط تنبؤات بالنبوغ الدينى، غير أنه تيقن من داخله «لم أكن بحضورى مجالس الصوفية سوى صبى فتنته موسيقى السماع الصوفى أكثر من التصوف ذاته»، قرر الإنصات لأداء الفرق الموسيقية المصاحبة للراقصات «الغوازى» فى ساحات الموالد والأفراح التى تستقبلها القرية بين الحين والآخر، كبر الغلام الصغير، كبر معه حب النغمات الموسيقية، انتقل الغلام إلى القاهرة، لدراسة الصحافة بكلية الآداب، حزم حقيبة سفره، لملم فيها حبه للموسيقى ونبوغه فى الكتابة الأدبية. قبل أن يطفئ الصحفى الشاب شمعة عمره الثلاثين، ورغم حداثة سنة، كان قد بلغ أشده فى مهنة «السلطة الرابعة»، وقوى عوده الأدبى ليصبح واحداً من بين أهم كتاب صحيفة «الأخبار» ويجاور اسمه بمثل هذا التكريم اسم عباس العقاد، ومصطفى وعلى أمين، وإحسان عبدالقدوس، من وقتها والصحفى الشاب إسماعيل النقيب، الذى رحل بالأمس عن عالمنا، يشارك قامات الصحافة فى كتابة عمود «يوميات الأخبار». نائب رئيس تحرير الأخبار حاول قبل رحيله الابتعاد قدر الإمكان عن السياسة، أيام الاعتصامات الأولى فى ميدان التحرير كان النقيب قد حجب حبر قلمه عن أوراق جريدة الأخبار، الصحفى المولود فى 1937 بالقنايات شرقية كفّ نفسه بتواريه حينها عن أضرار الدخول فى عتمة السياسة بعد سقوط نظام الرئيس السابق مبارك. حدث هذا بالرغم من انشغاله التام بثورة أخرى قامت فى مصر قبل ستين عاماً، استفاد منها بأن تعلم فى مدارسها، وعمل فى صحفها، وكتب ودافع عن قضاياها، يتحدث فى برنامج إذاعى قديم مع الإعلامى عمر بطيشة عن زيارة قام بها للأردن فى أعقاب نكسة 67، يحمّله خلالها الملك حسين رسالة لهيكل، رئيس مجلس إدارة «الأهرام» وقتها، يهمس فى أذنه «قل لهيكل أن يخف قليلاً على الجنود المصريين، ويكف عن كتابة المقالات المحبطة للجيش الذى يستعد لمعركة العبور»، همزة وصل، وحامل رسائل فى أوقات كثيرة، يروى الحكاية بلهجته الفلاحية التى ظل متمسكاً بها لآخر يوم فى عمره. لا يتوقف النقيب خلال مشواره الطويل عن السفر، سواء فعلياً لتغطية المؤتمرات الصحفية، والفعاليات السياسية، أو مجازياً عبر كلماته ومقالاته الكثيرة، يكتب بتكليف من أستاذه مصطفى أمين تفاصيل رحلة لم يقم بها إلى إيران يتخيل فيها زواجه من الشهبانو بعد أن علم بخبر طلاقها، وإن لم يرحل ولم يتزوجها. الكاتب الذى يحمل أفكاراً تتسم فى جملتها بالمحافظة شن حملة على فكرة تدريس مواد التربية الجنسية بالمدارس، «من علّم الناموسة والجاموسة كيف يتكاثرون؟ نحن ولدنا دون أن نعرف شيئا عن الجنس» يتساءل الكاتب المرموق فى الوقت الذى تصاعدت فيه نبرة المطالبة بإدخال تعديلات على مناهج التعليم. يبحر الكاتب الصحفى بين بحر الرومانسية تارةً، وبحر السياسة تارةً أخرى، إلى حبيبة مجهولة يرسل إهداءه الرومانسى فى صدر إحدى رواياته، الحب فى الزمن الخطأ، «إلى حبيبتى.. التى كانت فى حبها جزيرة للعواطف.. وكنت فى حبها محاصراً بالأعاصير والمخاوف». « ‬أمنّى النفس بالاستماع إلى موسيقى» جملة افتتاحية لآخر «يوميات» يكتبها إسماعيل الخطيب فى حياته، لم يبتعد يوماً عن سماع الصوفيين فى حلقاتهم، ولا حلقات الفرح، لم يبتعد يوماً عن سماع الموسيقى لكنه أخيراً تخلص من صخب حياتنا إلى براح الآخرة، إلى ملكوت السماء لتكتب كلمة النهاية كما كانت البداية «كلمة».